سوريا في مرمى حركات التبشير الشيعي

عدد القراء 222

تقرير : هبة المنسى

خلف الواجهات البراقة تتساقط الأقنعة وتصطف الحقائق ,فإيران التى منحها نظام بشار الأسد صك التواجد العسكرى داخل سوريا  تعمد إلى التغلغل ثقافيا ومذهبيا عبر الترويج لأيديولوجية “ولاية الفقيه” و تغيير الطابع الديمغرافي لدمشق.

ليست تلك معادلة ذات أبعاد تآمرية ولكنها واقع تدلل عليه شواهد عدة , فمع اندلاع الأزمة السورية  لإسقاط نظام بشار الأسد عام 2011  مضت طهران قدماً في انتهاج استراتيجيه ثنائية تقوم على تعزيز نفوذها الثقافي بالتوازى مع  الحضور العسكرى و قامت خلال الثمانى سنوات الماضية  بافتتاح  العديد من الحوزات التعليمية، والمؤسسات الدينية الشيعية، والحسينيات، واستخدمت الدين كوسيلة لإقناع المقاتلين بالذهاب إلى سوريا ودعم الأسد، بحجة تعرض الأماكن الدينية الشيعية للاعتداء، وفق زعمها.

“الدفاع عن المقدسات الدينية” كان الذريعة الأساسية التى اعتمدت عليها إيران لجلب عشرات الآلاف من عناصر الميليشيات الشيعية مع عوائلهم من العراق وأفغانستان وباكستان ودول أخرى وعملت لتوطينهم في عدة مناطق من دمشق، وضواحيها بدل السكان المهجرين .كما تعتزم الجمهورية الخمينية وفقا لما أعلنه رئيس لجنة إعمار العتبات المقدسة في إيران، حسن بلارك , توسعة المقامات الشيعية في سوريا تحت لواء فيلق القدس على أن يتم توفير التمويل اللازم لذلك من إيران .

ويتضمن المشروع بحسب ما نقلته وكالة فارس في إبريل الماضى  توسيع مجمع مرقد السيدة زينب جنوب العاصمة السورية دمشق ، والذي يتضمن توسيع مرقد السيدة رقية بنت الحسين في منطقة دمشق القديمة أيضا. وسيشمل المشروع تشييد مبنى لضيافة الزوار في مرقد السيدة زينب. ولا يقتصر الأمر على إعمار العتبات تحت مظلة فيلق القدس بل يمتد ليشمل صرف مبالغ هائلة ببناء فنادق ومراكز تجارية وتأسيس هيئات دينية وتوظيف رجال دين تابعين له , بل تمددت ديمغرافيا من خلال شراء العقارات خاصة أطراف المقامات الشيعية في دمشق. بما يعنى سيطرة الملالي على المناسبات الشيعية بشكل يسمح بالترويج لفكرة ” قيادة إيران للعالم الشيعي ”

التمدد الشيعي داخل المحيط السني  يصبح أسهل مع تبني سياسية الأرض المحروقة حيث عملت إيران بمساعدة نظام الأسد على تغيير الطبيعة الديموغرافية لبعض المناطق وقامت بتهجير السكان باستثناء من هم تحت مظلة الدولة الصفوية والداعمين للنظام السوري .ولعل المرسوم الذي أصدره بشار الأسد في إبريل الماضي أحد حوامل المشروع الإيراني وأبرز مرتكزاته إذ يلزم مالكي المنازل بتقديم ما يثبت ملكيتهم للعقارات في غضون 30 يومًا، وإلا فإنهم سيخسرون ملكية هذه العقارات وتصادرها الدولة، ويحق لها تمليك العقارات لمن تراه مناسبًا . الأهداف الخفية للمرسوم  الذي وصفته الحكومة الألمانية بالـ “غدر” , ساطعة للعيان فهو مصادرة لأملاك المهجرين تحت سقف القانون فالنظام السوري يحاول على ما يبدو “تغيير الأوضاع في سوريا على نحو جذري لصالح النظام وداعميه وبشكل يمنع عودة اللاجئين لاسيما من السنة  وتمكين الشيعة  والعلويين من امتلاك تلك المنازل  .

وتشير تقارير إلى إقبال الإيرانيين بشراهة لافتة على شراء العقارات لاسيما في  محافظات ومدن دمشق وحلب إثر تعديل قانون من قبل سلطات الرئيس بشار الأسد ليسمح للإيرانيين بالتملك.كما ارتفع بشكل متزايد  عرض السوريين عقاراتهم للبيع بسبب رغبتهم في الهجرة وهنا تسنح الفرصة للإيرانيين وغيرهم للشراء بأرخص الأسعار.

ويفيد خبراء أن الهدف من ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى رغبة النظام في تغيير النسيج الديموغرافي عبر تكوين ” لوبي ” إيراني يتحكم في الاقتصاد السوري بصبح من العسير إخراجه فيما بعد ,خاصة مع تهجير السنّة بأعداد كبيرة واستقدام الصفويين مكانهم, وليتحقق بذلك ما أسماه الأسد بـ”المجتمع المتجانس”

أجنحة مخطط الملالي ولت وجهها شطر الشرق السوري وتحديداً في محافظة دير الزور بغية تأمين الخط الواصل بين طهران ودمشق وبغداد.  ويعد المال السياسي في تلك المنطقة الرخوة ورقة رابحة بامتياز حيث تنشط حملات التشيع مستغلة حالة الفقر لدى السكان المحليين . وقد نجحت إيران في اجتذاب حواضن شعبية واجتماعية متردية عبر توزيع مخصصات مالية شهرية لكل عائلة تعتنق المذهب الشيعي، وتقديم مساعدات غذائية وعينية بشكل دوري لهم.

السياسة الخارجية الايرانية “براغماتية” الى حد الانتهازية, لديها القدرة على التعامل بأكثر من وجه إذا اقتضت مصلحتها ذلك , حيث قامت طهران باستغلال الطبيعة العشائرية للمنطقة الشرقية  و قضايا تاريخية ترتبط  بنسب أبناء قبيلة البقارة إلى محمد الباقر ” أحد أئمة الاثنى عشرية ” ودعتهم لاعتناق المذهب الشيعي معتمدة في ذلك  على شخصيات قيادية ووجهاء عشائر محليين لتنفيذ أجنداتها، وأبرزهم نواف البشير الذي عاد إلى سوريا قبل مدة وأعلن ولاءه للنظام بعد وساطة إيرانية حيث تعتبر هذه الطريقة مجرد استمرار للنهج الإيراني في العراق للسيطرة على الناس من خلال رؤساء القبائل والعشائر .

كما سعت إلى إنشاء جيوب وأذرع عسكرية لها تضمن تعزيز نفوذها في بلدتي حطلة ومراط شرقي نهر الفرات، مستفيدة من وجود جزء من أهالي تلك البلدتين معتنقين أصلاً للمذهب الشيعي، وذلك في محاولة لخلق حالة مشابهة لبلدتي كفرية والفوعة في محافظة إدلب، ونبل والزهراء في محافظة حلب.ومنعت أبناء الطائفة السنية من العودة إلا بعد اعتناق المذهب الشيعي أو الانضمام إلى المليشيات العسكرية التابعة لها مثل “حزب الله” السوري الذي تخضع بلدتي حطلة ومراط لسيطرته الكاملة .

وتتجلى ملامح التبشير الشيعي في المنطقة الشرقية  في تناقل بعض المصادر المحلية خبر تخريج أول “معمم متشيع” من الحوزات الإيرانية، ووصوله إلى ريف دير الزور لمباشرة مهامه في نشر التشيع. كما أعلن قبل أيام عن الانتهاء من بناء قبة فوق “نبع علي” في بادية الميادين حيث تعمل “هيئة مزارات آل البيت” بإعمار مزار للطائفة الشيعية في “نبع عين علي”، في بادية مدينة “القورية” شرقي دير الزور، وربطه تاريخيا بآل البيت.

التعليم أحد الأدوات التي استخدمتها طهران لبسط أذرعها والترويج للتشيع بدعم من حكومة الأسد ,   حيث أعلنت طهران في مارس الماضي  عن تأسيس كلية للمذاهب الإسلامية في دمشق ، بعد حوالي شهر من إعلان إيران عن افتتاح  فروع للجامعة الإسلامية الحرة “آزاد” في سوريا. وتاتي تلك الكليات ضمن المساعي الإيرانية  لإحكام سيطرتها الدينية والثقافية والإعلامية والاقتصادية بعد أن تمكنت من التمدد وبسط أذرعها جغرافياً والتي كان أحد مكتسباتها إقامة قاعدة عسكرية دائمة، إضافة إلى تخصيص قناة إيرانية فضائية لسوريا لغرس الأفكار الخمينية وأيدلوجية الولي الفقيه  في عقول الأجيال الجديدة.

ولا يمكن تناول ملف التشيع في سوريا دون المرور على دور "حزب الله" ففي مارس الماضي تم نشر تصريحات منسوبة لـ”حسن نصرلله” قال فيها: إن دخول ميليشياته المسلحة في سوريا، ليست من أجل مساندة نظام “بشار الأسد، ولكنها من أجل نشر التشيع في ربوع الأراضي السورية، حتى يمكنه فيما بعد نشره داخل المنطقة العربية “السنية”.وأضاف “نصرالله” في تصريحاته التي نشرها مراسل موقع “فردا نيوز” الإيراني والمقرب من السلطة الإيرانية في طهران، نشرها ” أن ولاية الفقيه في إيران مقدمة بالنسبة له،عن الدستور اللبناني، وتنفيذ مطالبه واجب إجباري.

وبالرغم من نفي "حزب الله" لتلك التصريحات غير أنها واقع الأمر لم تأت بجديد , الفارق فقط في أن ما كان يتردد سراً أضحى يصدع به علناً على رؤوس الأشهاد , فالمنظمة الشيعية اللبنانية وعلاقتها  الأيديولوجية والإستراتيجية مع إيران شبه معلومة للجميع .

سوريا غدت مثل قطعة إسفنج مشبعة بشعارات طهران الرنانة هنا يتطلب الوضع إنعاش الدور العربي ودخوله مرحلة الإفاقة من الغيبوبة قبل أن يلتقط نظام الملالي أنفاسه ويتم تطويق سوريا  وعزلها عن محيطها العربي والسني  فمن الحسكة شرقًا وحتى درعا غربًا يوجد نحو 13 طائفًا تقريبًا ، يمثل السنة نحو 59.1% من السكان، فيما يمثل الشيعة العلويين 11.8%، و"المسيحيين" 9.3%، والأكراد 8.9%.

 

المصدر : الوطن العربي

8/9/1439

24/5/2018

 

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع