المشروع الإمبراطوري الجديد.. حرب أهلية وصمت مريب

عدد القراء 1482

المشروع الإمبراطوري الجديد.. حرب أهلية وصمت مريب

 

رائد الحامد

15/12/2006

 

من السخريات أن يرى العراقي في انسحاب قوات الاحتلال من بلده وبالاً عليه ، ويتملكه الرعب كلما سمع عن إجراءات تسليم الملف الأمني إلى الحكومة العراقية.

 

لا يتعلق الأمر بالعلاقة بين الانسحاب الأمريكي الفوري أو المجدول من العراق ، وبين الحرب الأهلية المتجسدة واقعا بكل ملامحها منذ تفجيرات سامراء ، رغم محاولات أمريكا وأعوانها إنكار هذه الحقيقة لتجنب دخول أطراف عربية أو إسلامية إلى جانب الطرف الأضعف في المعادلة ، أو تدخل المجتمع الدولي لوقفها والحيلولة دون الاستمرار في جرائم الإبادة والتهجير القسري ، فتسليم الملف الأمني معناه امتلاك الحكومة كامل الحرية في المضي قدما في سياسة الاستهداف الطائفي الممنهج.

 

ما تزال الولايات المتحدة تصر مكابرة على عدم وجود حرب أهلية في العراق ، رغم مساهمتها بالاشتراك مع حكومتي الجعفري والمالكي في خلق حالة من التدهور الأمني الذي وصل حدا تجاوز مفهوم الحرب الأهلية في سوئها بكل المعايير ، ولم يصله بلد إلا اللهم الصومال مع غياب أية سلطة فيه خلا سلطة أمراء الحرب ، بيد إن الوضع في العراق يختلف كثيرا مع وجود حكومة تسمي نفسها حكومة مشاركة وطنية منتخبة من مكونات الشعب العراقي كافة ، إلا ان هذه الحكومة ثبت غيابها كما هي حكومة الصومال مع فارق بسيط ، حيث لازال في العراق من يتحدث للإعلام ، ويعقد اجتماعات رسمية ، ويزور دولا باسم حكومة العراق ، ولا زالت الكثير من الدول تعطي هذه الحكومة شرعية لا تستحقها وإنما تماشيا مع الإدارة الأمريكية وخشية منها ، ومع هذا الحضور الحكومي المقنَّع ، يبقى الحكم من خلال الواقع على غيابها ، فيما يبقى حضورها متجسدا بصورة واحدة في حكومة ميليشيات القتل الطائفي فقط.

كانت مشاركة العرب السنة في العملية السياسية بمثابة الخطأ القاتل الذي جرَّ الويلات على مكون مستهدف من الميليشيات ، ومن قوى إقليمية ترى في استمرار وجوده الفاعل خطرا على مشروعها القومي الإمبراطوري الذي يراد له أن يتسرطن باتجاه الجنوب ليشمل دولا بعينها من الخليج العربي ، وباتجاه الغرب إلى دول عدة ، خاصة بعد أن أسس مواطئ قدم له ظاهرة وباطنة ، وخلق بؤر قادرة على التوسع متى ما تمكن من فرض المزيد من الحقائق على الأرض كأمر واقع من خلال أذرعة الطموح الموالية له والمنفذة لسياساته والمدعومة من قبله لوجستيا وإعلاميا وسياسيا ، إضافة إلى تواطؤ حكومات دول ومساهمة دول أخرى في تسهيل مهمة ذلك المشروع القومي بدراية منها أو بغيرها.

 

بعد تفجيرات سامراء وما أعقبها من جرائم قتل وخطف وحرق للمساجد ، جاءت تفجيرات مدينة الصدر الأخيرة لتؤجج جرائم العنف بدوافع طائفية من جديد ، مع دلائل دامغة على ضلوع قوات الاحتلال والحكومة ومشاركتهما وتسهيلهما ارتكاب هذه الجرائم ، وهذه المرة بلباس الشرطة العراقية وسياراتها وأسلحتها خلال ساعات حظر التجول بعد إن كان يقوم بها ذوو الزي الأسود.

 

لم تكن حكومة المالكي سوى نسخة كاربونية عن حكومة الجعفري باستثناء دخول العرب السنة في حكومة المالكي ومشاركتهم إياها جرائمها ، ولم يكن جواد البولاني سوى نسخة كاربونية عن بيان جبر صولاغ باستثناء كثرة الظهور الإعلامي بين الوزيرين ، وتكشير الأول أنيابه علنا والثاني خفية ، ولم يكن عبد القادر العبيدي سوى نسخة كاربونية عن سعدون الدليمي باستثناء وقاحة الدليمي واعترافه بجرائمه علنا في القائم والكرابلة وتلعفر وحديثة وغيرها ، فيما يخفي العبيدي جرائمه في الفلوجة وغيرها ، وفي الوقت الذي كانت فيه أجندة حكومة الجعفري تخفيها ألف تقية وتقية خشية فضح حقيقة استهدافها الآخر على أساس طائفي ، فان حكومة المالكي لم تعد تخشى هذه الحقيقة لأسباب أهمها ، إن الآخر دخل كشريك له في الحكومة والبرلمان والجريمة ، وان المكون المستهدف أبدى ردة فعل لا تتناسب مع ما وقع عليه بعد تفجيرات سامراء ، كما إن الرهان على الأغلبية في دول الجوار العربي والإقليمي اثبت غيابه تماما.

 

لم تثبت إدانة العرب السنة في تفجيرات سامراء ومدينة الصدر رغم محاولات التلفيق التي تصدى لها موفق الربيعي مستشار الأمن القومي ، والذي ما إن تتم عملية إلقاء القبض على مشتبه بهم حتى يلفق لهم الاعترافات بمسؤوليتهم عن تفجيرات سامراء إلى أن صار المسؤولون عنها أكثر من سبعة أشخاص وبفارق زمني أسابيع أو شهور يكفي ليعيد إلى الذاكرة روح الانتقام من المتهمين بالفعل زورا ، وكلما تقدم العراقيون خطوة جدية في طريق المصالحة ، وهو يعلم علم اليقين براءة العرب السنة منها كما هي براءتهم من تفجيرات مدينة الصدر الأخيرة ، بل بالتأكيد هو يعرف الفاعل الحقيقي ، ويعرف إن الأصابع التي حركت كلا التفجيرين بالاشتراك مع الحكومة وبالتنسيق معه ومع قوات الاحتلال ، هي أصابع مخابرات دولة إقليمية ترتبط بتحالف استراتيجي وأهداف عليا مشتركة مع حكومتها في بغداد ، إلا إن العرب السنة دائما يتلقون ما يحلو لسياسيين على صلة بالميليشيات أن يسموها ردود أفعال خارج سيطرة الحكومة أو قادة الميليشيات أو مرجعياتها الدينية ، في حين لو افترضنا جدلاً إن أفرادا من العرب السنة أو حزباً أو منظمة هم فعلا وراء هاتين الحادثتين ، فلماذا يتم الاقتصاص من الأطفال حرقا في مدينة الحرية؟ ، ومن النساء الفلسطينيات اغتصابا في حي البلديات؟ ، ومن الشبان إعداما جماعيا في حي جميلة؟ ، ومن المساجد حرقا وتدميرا؟ ، بدلا من ملاحقة الفاعلين والاقتصاص منهم إن كانوا كما يصفوهم صداميين أو تكفيريين أو إرهابيين ، أم إن هؤلاء هم العرب السنة بلا استثناء ، والعرب السنة هم الصداميين أو التكفيريين أو الإرهابيين؟ ، فهل يجوز الاقتصاص مثلا من الشيعة عموما على جرائم الميليشيات أو الحكومة ضد العرب السنة معاملة بالمثل؟.

 

لا يزعج حكومة المالكي القول بعجزها عن حماية الآخر ، وهي لا تعترف بعجزها كما إننا لا نقول هذا ، فالحكومة قادرة على منع كل هذه الجرائم بقرار أو تعميم وليس عن طريق حل الميليشيات ، لأنها ببساطة لا يمكن أن تحل نفسها حتى وان اتفق بوش والمالكي في عمان أم لم يتفقا ، وبالتأكيد لم يتفقا ، إذ أن المالكي بأجندته الطائفية لابد قد أوضح لبوش المعروف لدى شعبه بالغباء ، إن القضاء على الإرهاب ، وهو الهم والوهم الأكبر لسيد البيت الأبيض ، لن يتم إلا من خلال القضاء على الناشطين في المناطق الساخنة ، وهؤلاء هم رجال عصابات لا يمكن للقوات النظامية الأمريكية أو العراقية القضاء عليها ، بل تتكفل بها مجاميع وميليشيات تجيد حرب العصابات ، خاصة وان كبار المنظرين في مجموعة المحافظين الجدد يؤمنون بمبدأ مكافحة المجاميع الإرهابية عن طريق تشكيل مجاميع إرهابية مضادة ، وان كبار قادة جيش الاحتلال يؤكدون فشل خيارهم العسكري في القضاء على التمرد أو الإرهاب أو المقاومة ، وهكذا يتم كل شيء بمباركة أمريكية وخلال ساعات حظر التجول التي أطلقت يد ميليشيات القتل الطائفي دون غيرها.

 

من هنا يبدو الخوف من قيام قوات الاحتلال بتسليم الملف الأمني للحكومة العراقية خوفا مشروعا ، بعد ان تم زج قيادات فيلق بدر وغيره في قيادة الجيش الجديد والشرطة الوطنية ، ليكون الاستهداف هذه المرة بالزي الرسمي والسلاح والآلية الحكومية ، كما حدث في وزارة التعليم والسنك وغيرهما ، كعمل منظم يهدف إلى إرغام الآخر على الهجرة من بغداد التي غادرها قسرا أكثر من مليون عربي سني ، وهجر من بعض أحيائها أكثر من هذا العدد إلى أحياء أو مدن أخرى لتكون بغداد منطلقا لأصحاب المشروع القومي الإمبراطوري ، وليس بعيدا عن هذا الدور الذي أنيط بالسيد عبد العزيز الحكيم ليكون عراب التحالف الأمريكي الإيراني المتجدد على حساب دماء العراقيين ووحدة ارض العراق ومصادر ثرواته ، كما هو الدور الذي سيناط بطارق الهاشمي خلال زيارته إلى واشنطن لمحاربة المقاومة العراقية بحجة محاربة الإرهاب بالتحالف مع الحلف الثلاثي الجديد ، الحزبين الكرديين والمجلس الأعلى والحزب الإسلامي العراقي بقيادة الهاشمي ، كما ليس بعيدا عن ذلك أيضا ، فحوى الاتفاق الأمني بالأمس القريب بين الطالباني واحمدي نجاد وسط صمت عربي وإسلامي مريب.

raedalhamed@gmail.com




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع