إيران بعد البراميل المتفجرة

عدد القراء 1169

د. محمد الأحمري

في حوارات مع دبلوماسيين عرب وإيرانيين سنحت بها أيام وليالي رمضان، لاحظت أن الإيرانيين يعيشون ذكرى ثورة، قادمة من ماض سحيق، غافلين عما أحدثوه وسببوه من خروج عليها ومن مشكلات عظمى للناس ولبلادهم، وما أسّسوا له من كراهية غير مسبوقة لبلاد فارس وللشيعة في العالم، وأنهم يجتهدون في التغافل والتلهي عن مستقبل آخر في بلادهم يكاد يتبينه الغافل، وهنا صدى لبعض تلك الأحاديث التي قد قضت صراحتها على دبلوماسيتها.

1- النظام القديم ينتقم:

يجهل قادة إيران أن الثورة تكاد تنهي الدورة الثانية من عمرها -إن كان عمر كل دورة ثورية عشرين عاما- وقد استهلكت بضاعتها الفكرية والسياسية وعادت لتهدم كل مشروعية حقيقية كانت أو وهمية، لتستعيد الأسس الأسبق للنظام القديم، وهي غارقة في خطابة سهلة قدمتها في بداية الثورة؛ احتجاج ولعن أسس النظام القديم، بينما هي الآن تتمنى وتعيش وتمارس أسوأ مما كانت تعيبه على النظام القديم، فهي تحلم بالتقرب للغرب، وتستعيد أمنية الحراسة التي نعم بها الشاه، وتتمتع ظاهرا بمكاسب وشروط قد تضيع منها في غمرة فرحها بمودة "المستكبرين" كما كانت تصفهم، وفي أعماق قادتها لكثير مما كان يعنيه النظام القديم: القرب للغرب ووعده بالنيابة عنه في دحر خصومه، وقيادة الظلم والجور على الشعوب كما لم يسبق أن فعل الشاه وكل شاه جائر.

أعداء النظام القديم نظام الشاه عادوا ليكونوا هم النظام القديم، وهم أعداء فكرة الثورة، ليس لأنهم تغيروا فقط ولكنهم أصبحوا قدماء جدا، ويقسرون زماننا على فكرة زمن قديم، أصبحت في عداء مع الحاضر، وانتكست الثورة لتعود شاهانيه راسخة، فهي تعادي الأقليات غير الفارسية، وتعادي الأعراق والمذاهب المختلفة، فالثورات العربية التي تمثل حالا أشبه بفكرة الثورة الإيرانية "ثورة على مستبد عميل للغرب" لتقوم "إيران ما بعد الثورة" بدور الشاه وهو الحرب على خصوم الغرب، وعلى دعاة التحرر، ولتمثل وكالة وحالة معادية لطموحات العرب والمسلمين في التحرر على أساس سعيها لبقاء ماض لذيذ تعرفه ومستقبل تودد للخصوم تتمناه، وهي حالة تناقض شديدة على كل مستويات الداخل والخارج الإيراني.

مشكلة البقايا المتقادمين في الثورة أنهم يتخيلون كونهم لم يزالوا في حرب مع الشاه وأنصاره وعالمه؛ فقادتها ومثقفوها -إن بقي معها مثقفون- بعضهم يلغط عن خصومة مع أمريكا وإسرائيل والإمبريالية، ويتخيلون أنهم مركز العالم "أم القرى" أو "عاصمة المسلمين"، كما كتبوا على مدخل مدينة طهران، وهم عمليا دخلوا أو سوف يدخلون بوعي أو من دونه في إطار استعادة دور الشاه بل أبعد منه وأوسع، وسيتطلب الأمر هذا منهم، ولأنهم يتغيرون وتتغير بلادهم فوق ما يلاحظون، وذلك ما يجعل الغرب يحرص على إيران التي تلوح، ويدفن هذه الغارقة في أمنيات ثورة قد ماتت، وداهمهم عصر جديد.

من ناحية، لا يحاول قادة إيران أن ينتقلوا إلى عالم التحديات الأكبر المحيط بهم، بل يفرّون من مستقبل مظلم إلى استعادة ظلمات وتكتيكات الماضي وظلماته، فهم يعرفون أن إفلاسا أيديولوجيا كبيرا عاصفا يحيط بهم، وأن شعبهم أقلع مبتعدا عن الحكومة منذ سنوات.

ولم تعد الرشاوى التي تقدمها القيادة للشعب كافية، فدهاء القيادة عندما تراوح بين اتجاهين تقدم للشعب زعيما متشددا مرة، ومنفتحا أو معتدلا مرة أخرى مثل نجاد أو خاتمي أوروحاني، لتتقرب لعامة الناس يوما أو للطبقة الواعية المرنة يوما آخر، أو لتتخلص من الشخصيات الثورية الأقدر وتقصيها، سواء أكانت تلك الشخصيات مخضرمة كرفسنجاني أو مير حسين موسوي أو كانت من الجيل الجديد، وتبقي الرباط في اليد، مع حرمان الجيل الجديد الذي لم يعش ولم ينضج في عصر الشاه من المشاركة في قيادة بلاده، إلا أن يكون مقلدا متصلبا ومغلقا على نهج قديم جدا.

ثم إن تلك الرشاوى بوضع شخصيات حديثة في جهاز قديم لا ينتج إلا فشلا وسخطا متتاليا من الشعب ومن العالم المجاور، فحفلة روحاني واحتفاء الغرب به لم تدم إلا مدة قصيرة، وهو غير قادر على تفكيك المنظومة القديمة المهترئة، بل أصبح مجرد ترس نُسي فيها رغم حرص الغرب أن يجعل منه جورباتشوف إيران، ولا يبدو أنه سيكونه.

وما المصالحة الغربية بحجة السلاح النووي -التي سبقته- إلا وسيلة لهدم جدار طهران كما هدم جدار برلين عاجلا أو آجلا. وكما ينتظر شباب طهران ملذات مطاعم مكدونلد أو البرجروالكولا، فإن جدراناً أهم ستسقط بتلك اللذة، وقبلها ستسقط نفوس كثيرة حين تتسرب المليارات للخزائن الفارغة.

ومهما أبدى البعض من مخاوف تجاه التحالف الأمريكي الغربي مع طهران فليس أبعد من كونه قُبلة الموت للثورة ونظامها القديم، أو كمثل تحسن العلاقة ما بين جورباتشوف وريغن في الثمانينيات، إيران مثل روسيا آنذاك، لكن القيادة الإيرانية لم تزل تشبه حُكم بريجينيف المتماسك على سنة السلف الشيوعي غير أن بريجينيف لم يعمر طويلا، وهذا الأنموذج يبدو أنه قادم إلى طهران وسيحدث الانفتاح ويسقط الجدار بسلاح أو من دونه، وكما عادت روسيا منطوية وخجولة مهزومة إلى نظام وأماني القياصرة فقد تعود إيران منطوية على نفسها ومكسورة إلى طموحات الشاه وثقافة زمانه، لأن من لم يبدع ويجدد فسيعود ليجترّ ماض قديم وثقافته آملاّ أن تكون في مأمن من الثورات العظيمة.

2- فلسطين:

فلسطين شاهد مهم على التعثر السياسي والثقافي لحكومة إيران أو موت ما يسمى بالقوة الناعمة التي اهتمت بها ثورة إيران ثم قتلتها لصالح القوة الخشنة، وكانت القضية الفلسطينية سلاحا معنويا مهمّا بأيديهم، لأن احترام المسلمين لكل من يقف في وجه الإرهاب الصهيوني استفادت منه طهران إلى آخر لحظة.

أما الآن فمن كان صديقا أو حليفا أو مواليا أو مستفيدا من الدعم لقضيته كالفلسطينيين، فإن إيران بسياساتها في المنطقة جعلت صلتها بالفصائل الفلسطينية محرجة وتسبب إشكالية غير مقبولة. إذ كيف يقبل عربي أو مسلم أن تكون هناك علاقات حسنة مع من يقتل الأبرياء في سوريا والعراق واليمن؟!

إن ثلاثمائة ألف سوري من الأبرياء يرى العرب والمسلمون أن دماءهم تلطخ أيدي الإيرانيين، ويصعب قبول الأعذار في هذا، ولو كان من قبيل أن التدخل كان نصرة لحليف أو لحاكم قائم، إذ لم يعد هو شيئا من دونهم.

اليوم تعيش أسوأ أيامها مع قضية فلسطين، فالحركات الفلسطينية الإسلامية؛ كالجهاد وحماس، أصبحت تشعر بشعور الشعوب الإسلامية والعربية التي ترى في إيران قاتلا للأبرياء وطامحا لنوع من إمبريالية متخلفة من صنع العالم الثالث لم تعد مقبولة.

ولأن الإفلاس الأخلاقي والمالي حاق بالثورة فقد أصبحت هذه الحركات مُحرَجَة من أي علاقة بإيران، لأن المسلمين لا يقبلون أن تكون لها علاقة حسنة مع مناضلين فلسطينيين يريدون تحرير بلادهم من الاحتلال الصهيوني بينما تحتل إيران ثلاث عواصم عربية على الأقل، وتفعل ما يشهده العالم كله.

كيف يمكن للفلسطيني أن يبرر علاقة حسنة مع إيران لأي عراقي أصيل أصبح يحتاج لكفيل من "حزب الدعوة" الموالي لإيران ليدخل عاصمته؟ وكيف يبرر الفلسطيني علاقة حسنة له بإيراني أمام دمشقي أو حلبي تصب فوق رأسه براميل إيران المتفجرة؟ البراميل المتفجرة صنعت لإيران صورة وحشية خالدة في القلوب والعقول لا تنسى، فمن أخطأه برميل متفجر لم ينج من التجويع كما في مخيم اليرموك.

لقد فشلت إيران مع الفلسطينيين، ومع فصائل النضال الفلسطيني، وقد حاول قادة فلسطينيون مبكرا ثني إيران عن مواجهة الشعوب المطالبة بالحرية، فمطلب السوري للخلاص من طغيان محتل محلي: بشار، لا يختلف كثيرا عن مطلب الفلسطيني للخلاص من محتل أجنبي يهودي.

ستفشل علاقات إيران مستقبلا معهم؛ فهي وإن كان لها حسنات سابقة -تسليح ومساعدات للنضال الفلسطيني- إلا أنها دمرت الآن كل حسنة سابقة، وستجد نفسها في معسكر محارب للفلسطينيين عموما كما هو حالها في مخيم اليرموك الدمشقي، ومن حاول من الفلسطينيين تمتين علاقة بهم لقي نفسه منبوذا من أمته.

صحيح أن الفلسطينيين لم يلجأوا لإيران إلا بسبب خذلان القريب، أو لخنوعه للإرهاب الصهيوني، ولكن الفلسطيني سيجد عونا، فإن لم يجد عونا من أمته فليس المخرج من قهره أن يوالي من يقهر أمته، لأن عجلة القهر الإيراني أو قهر الدكتاتوريات العربية ستكون مصيره وسيحيق به الصمت أو التهاون في دماء وكرامة إخوانه.

3- العراق:

العراق في محنة عظمى من أهم أسبابها ما يراه العراقيون احتلالا إيرانيا عبر الأحزاب التي دخلت على دبابات الغازي الأمريكي، وبسبب خسران السنة لبغداد ولاستقلال العراق، ثم بدأ الظهور المكثف للهيمنة الإيرانية بعد خروج الأمريكان ليصنع موقفا عاما ضد إيران.

صحيح أن وجود دولة العراق والشام الإسلامية "داعش" أشغل الناس عن الاحتلال الإيراني، ولكن تصاعد الحرب مع داعش أظهر للعلن أن حكومة بغداد فرع عن حكومة طهران، وشكلية لا قيمة لها، وأن القوة والحكم والسلاح والاستخبارات بيد طهران.

وقد بدأ يتجول الجيش الإيراني وقادة الحرس الثوري في العراق ويتحكمون فيه وكأنهم في مدنهم وقواعدهم ومراكزهم بل أكثر وربما لا تعرف حكومة حزب الدعوة ما يحدث، فالأمر متروك لميليشيات مرتبطة بمراجع طهران.

ولا يبدو أن للعبادي وسابقه المالكي من دور سوى صنع المكائد المؤذية والمنظمة لاجتثاث السنة، وإنهاء قوتهم وقدرتهم وإضعاف تمثيلهم السياسي وإيقاع الأذى الأكبر والإضرار بسنة العراق في مختلف مناطق العراق، وتجريدهم من حقوقهم في بلادهم.

ما بعد سياسة البراميل المتفجرة والاغتيالات والحرق والنهب لسنة العراق -كما حدث في تكريت ومدن الأنبار وغيرها- يشير إلى أن إيران تحفر لنفسها حفرا ستسقط فيها، وتؤسس لما لا تطيق دفعه مستقبلا. فالمؤشرات تدل على أن الحكم القادم في طهران سيكون أكثر قومية وعلمانية متطرفة كرد متأخر على قومية البعث وقومية الكرد، وتخلصا من شعاراتية دينية للثورة ذات محتوى قومي-ديني.

وهذا سيعيد عرب العراق الشيعة إلى وعيهم وإلى حماية بلادهم مما سيرونه احتلالا قوميا-دينيا فارسيا. وستعود نزعة العراقي العربي الشيعي ضد طموحات إيران التوسعية التي جعلت بغداد مكتبا مساندا لطهران ضد العراقيين. ولا نستبعد أن الجيل الذي قاتل إيران في الثمانينيات وأبناؤه سيستعيدون هوية وطنية عامة لاحظوا أنها سلبت لمصلحة غيرهم مؤقتا.

وإذا كنا نرى اليوم جموعا لا تؤمن بمبدأ وثقافة داعش تناصرها أو تأوي لها مرغمة وهاربة من ممارسات الحشد الشيعي الشعبي، بل قيادات من الصابئة اليوم ترى نجاة العراق ونجاتها من إيران بتأييد داعش، فكيف ببقية العراقيين يوم يستيقظون فيرون تحكما قوميا إيرانيا متطرفا في كل بلادهم ومهيمنا على حكومتهم ومصيرهم واقتصادهم.

4- سوريا:

لم تترك إيران أي أمل في مستقبل سياسي للشيعة الإمامية في سوريا -وهم أقل من مائة ألف- ولا للعلويين الذين والوها، وقد مات زمن المصالحة، وللأسف فإن القول بأن أي حكومة مستقبلية في سوريا تفكر بتعايش مع وجود نفوذ لشيعة إيران وأوليائها فهو مجرد وهم قد أصبح عاليا. لأن الدماء ودوام التدمير والإبادة والنزوح لم تترك لإيران وأنصارها ذرة قبول.

ولو حاولت حكومة أن تصنع نفوذا أو تسامحا فسيكون هذا من أصعب الصعوبات. لأن الشعب السوري ترسخ في ذهنه هذا الواقع، بل ستقيم حكومة سوريا القادمة مشروعيتها المحلية على العداء لمن أباد السوريين وهدم مدنهم يستوي في هذا الموقف إيران وحزب الله. ويبقى العفو والصفح مطلبا ملحا، وقد تتجاسر الشعوب المنتصرة والقادة الحكماء على تجاوز المآسي الكبيرة فلا تنتقم.

صحيح إن حزب الله استفاد في تجميع الأقليات كالمسيحيين وغيرهم في لبنان على موقف متقارب خائف من انتصار الثورة وصور لهم أن انتصار الشعب السوري على قتلته يعني انتصار داعش ومن يريد شرا بالأقليات اللبنانية والسورية، ونشر الحزب الرعب بين تلك الأقليات لتبرير جرّه للبنان إلى حرب ضد السوريين وثورتهم، ومهما كانت الحجج فلا تبرر موقف الحزب في سوريا، وقد يندمون على حربهم ضد شعب المسالم خرج يطالب بحقه في الكرامة والحرية.

5- تركيا:

لقد جنت تركيا ثمن فشل إيران في سوريا والعالم العربي مغانم ومغارم، وتتقدم تركيا -رغم بطئها وعلاقتها الطويلة مع الكيان الصهيوني- بمبادرات تقربها من القضية الفلسطينية، وأنجزت تحولات هائلة على مستوى علاقاتها بالشعوب العربية حقيقة كانت أو تخيلا ودعاية، ومن الصومال إلى ليبيا ومصر وفلسطين ومآل سنة العراق إلى تحسين علاقتهم بها -إن لم يكن حتى الشيعة لأن كثيرا من تجارهم وسيَاحهم يفضلونها على إيران- وصنعت تركيا قوة معنوية اقتصادية هائلة وجاذبية سياسية؛ وسواء كانت دوافع الأتراك دينية وأخلاقية أو إستراتيجية سياسية سيجد السوريون أنفسهم في تحالف مع من آواهم وناصرهم. وكثيرا ما كانت قوة تركيا تعني ضعف إيران والعكس عبر عصور طويلة. وهذا سيكون أرسخ في زمن التنافس والتواصل الدولي.

إن من المستبعد أن تكون تركيا قادرة على صناعة قيادة سنية ضد قيادة إيران الشيعية، غير أن انحياز تركيا للشعوب ولو في الظاهر، ومناصرتها لقضايا الحريات والديمقراطية في العالم العربي، فتح ويفتح لها القلوب والجيوب،فالناس أكثر قبولا لمن لا يعاديهم ولا يحرص على تغيير دينهم وينفتح على العالم ويقدم أنموذجا ديمقراطيا سيبقى أكثر جذبا وإقناعا رغم علمانية من إيران القتالية المذهبية، ثم إن الفكر السني لا يعترف بشعار المرجعيات أصلا.

6- الكراهية:

فقدت إيران المعتدلين في العالم الإسلامي، ممن كانوا يقدرون الظروف الدولية القاسية ضد من يخرج عن سياق ونظام الهيمنة المسمى بـ "النظام الدولي" وصنعت إيران -ما بعد الثورة- لنفسها ولحكومتها ولمذهبها في العالم الإسلامي كراهية غير مسبوقة منذ يوم ذي قار من  أيام الجاهلية إلى يومنا.

فقد أصبحت المخيلة الإسلامية العربية لا ترى في إيران وعساكرها إلا قتلة متعطشين لدماء العرب، موالين لأعدائهم من الدكتاتوريات أمثال دكتاتورية حزب الدعوة وبشار والسيسي والحوثي وعلي صالح، وكل ما يمثل جريمة وعدوانا على الشعوب، هذه الصورة العامة لإيران عند المسلمين، والتي تحب إيران أن تتجاهلها بأي وسيلة.

حين كانت تجري مقارنة بين خطر إيران وخطر الصهيونية؛ كانت تجري في سياق خجول هامس مرتبك. ومن كان يجرؤ أن يقارن، أو أن يقول:"الصهيونية أقل خطرا من إيران" كان يجد ردا رادعا، وتجريما. أما اليوم فلا يكاد يخالف أحدٌ أن الإرهاب الصهيوني أو إرهاب داعش أقل خطرا وشأنا مما تفعله إيران وحلفاؤها، أقل قتلا من حكومة لا يرون منها إلا البراميل المتفجرة على رؤوس الأبرياء.

ويرافق هذا فقدان إيران لكل سمعة حسنة أو جاذبية من أي نوع؛ أحدهم قال لمسؤول إيراني إن العربي في الخليج وشمال إفريقيا وغيرها من مناطق الجوار لو توفر له مبلغ استثمار أو فكّر في سياحة أو تجارة فهل يفكر في إيران أم تركيا؟ رد الإيراني سريعًا: سيتجه لتركيا.

أدرك الإيراني أن القوة المعنوية والسمعة والثقة قد غادرت طهران منذ سنين ولم يعد هناك ثقة من قبل الشعب الإيراني نفسه فضلا عن غيره بمستقبل طهران السياسي والاقتصادي،وتجار إيران يتجهون لكل سوق إلا سوق بلدهم، بسبب سياسة حكومتها ومستقبلها القريب؛ غير أني واثق أن إيران بعد خلع عباءة الولي الفقيه و وليالولي الفقيه سوف تجد طريقا للشعب نفسه نحو خير بلاده، وسيكون لها مستقبل ديمقراطي حين تخلع الخرافات المحيطة بالسلطة، وهي خالعة لها ربما غير بعيد.

7- إيران القادمة:

إن حكومة إيران تفرّ للأمام أمام مخاطر عظمى قادمة ترى شبحها المرعب فتبالغ في نهج قديم فاشل، لأن الشعب الإيراني عانى حصارا شديدا لمدة ستة وثلاثين عاما، وعانى من دكتاتورية لون واحد من الحكم، وأصبح يتمنى عودة لانفتاح الشاه الفاسد، ويتمنى أن يجد حكومة تعمل للإيرانيين لا حكومة ترى نفسها مركز التشيع بل مركز العالم الإسلامي ومركز إمامهم الذي يرسل الكتائب والخبراء والمال لقتالهم. كل هذه العباءات مخلوعة ومنتهية غير بعيد.

والقادم مجموعة قومية متطرفة أقرب للأتاتوركية وطنية مغرقة في هموم الداخل وضد الخارج والمختلف، تقول نفسي نفسي، وتهرب من خرافة المهدي والمهدوية ونيابة المهديين، وتنزل للزمان والمكان بقول وفعل جديد، إنه فريق قادم نتوقع ملامحه وللأسف سيكون وطيد الصلة بمن يكره العرب والمسلمين.

وبسبب فقدان الشجاعة العقلية، و"شجعان العقول قليل" تتدهور الأمور، فإنه كان بالإمكان في محطات كثيرة حانت فيها الفرصة أن تتحرك نحو الوسط، ونحو مصالح الشعوب، ولكن الرعب القادم من الداخل يجعلها تلهي الشعب بالحرب وتؤزم الأمور في كل مكان.

وكما فعل بوش حين أطال حكمه أربع سنوات بتدمير العراق وقتل العراقيين ليضمن انتخابه تحت نفسية الخوف والحرب القائمة، فإن فلسفة بعض القادة هي نفسها قتل الأبرياء في سوريا والعراق لإيهام الشعب أنه في حالة حرب ضرورية، ومشاغلته عن مصيره ليبقى النظام، لكن أي لحظة تراجع على الجبهات -وهي قادمة- سوف يكون لها صدى هائل في قلب طهران، وتحت قيادة لا تملك شجاعة الخميني في تجرع سم الانسحاب، حينها سوف تكون قد حكمت على نفسها بالانتحار.

5-7-2015

المصدر: موقع العصر




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع