إيران وأيديولوجيا الانتحار

عدد القراء 1071

محمد حسن مفتي

عقب اندلاع الثورة الإيرانية منذ مطلع الثمانينات تغير الفكر الفارسي وتحول لفكر ملالي لا يقيم وزنا للعنصر البشري في المجتمع الإيراني، بل حول قيم المجتمع نفسها لقيم تكرس التبجيل والتوقير لساسة هذا الفكر، ولقد اعتبرت هذه الفكرة إحدى سمات وخصائص المجتمع الثوري عقب قيام الثورة الخمينية، أهمها الإيمان المطلق بالإمبراطورية الفارسية والسعي الجاد لإحيائها وإعادة مجدها التليد، مما يتطلب عدم الاعتراف بالحدود الجغرافية الحالية لها. الفكر الخميني لا يلقي بالا للمواطن الإيراني البسيط، فيلقي به في أتون المعارك والصراعات دون أدنى اهتمام بحياته أو بدمائه المهدورة، ومن خلال ماكينة إعلامها وسطوة ونفوذ جهازها الأمني القاسي تمكنت من تجذير ثقافة الموت أو الانتحار بين صفوف المجتمع، لكي يحيا الملالي وتسود أفكار المرشد وتنتشر مخرجات الثورة.

لقد اعتاد ساسة إيران على زج المواطن الإيراني في معمعة الصراعات باعتباره دوما العنصر الأقل قيمة وأهمية في معادلة الحرب الشعواء، فحياته ومماته بالنسبة لهم سواء، والشواهد على هذه السياسة كثيرة، ففي حرب الخليج الأولى استخدمت إيران، وعلى الأخص في معركة «المحمرة»، ما يعرف باسم تكتيك الموجات البشرية، والذي يقوم على فكرة حشد قوات كبيرة من البشر أمام نقطة دفاعية للعدو وبعدها يتم الهجوم عليها بشكل مفاجئ، في شكل موجات بشرية متتالية وتعريضها بشكل مباشر لنيران الطرف الآخر بغض النظر عن الخسائر البشرية في صفوف المهاجمين، وقد استخدمت هذا التكتيك المدمر لاختبار الدفاعات العراقية ومعرفة مدى صمودها، الأمر الذي تسبب في قتل عشرات الآلاف من الشباب اليافع صغير السن من الجنود غير النظاميين، حتى أن الإيرانيين أنفسهم أطلقوا على المدينة التي دارت فيها هذه المعركة «مدينة الدم»، بعد أن أوهمتهم أن الانخراط في تلك المعركة هو تطبيق لتعاليم الخميني، والتي تعد بدورها الطريق المضمون للجنة، وأن الانتحار في تلك المعركة هو استشهاد في سبيل الله.

وبسبب موقف المملكة الداعم للعراق وقتئذ دفعت إيران بطائراتها الحربية لاختراق حدود المملكة، وعلى الرغم من تحذير السلطات السعودية للطيارين بالعودة أدراجهم، إلا أن التعليمات التي كانت لديهم دفعتهم لعدم الاكتراث بهذه التحذيرات، فما كان من المملكة إلا أن أسقطت هذه الطائرات، ولم ينقضِ هذا العقد حتى قام حشد كبير من الإيرانيين الحجاج بمحاولة يائسة لزعزعة أمن المملكة خلال موسم حج العام 1987، بعد أن تم تزويدهم بالسلاح الأبيض من أجل قتل السعوديين، وعلى الأخص رجال الأمن، ولم تعبأ طهران ــ وقتها ــ بأي خسائر بشرية من الجانب الإيراني، وقد تابعت جموع المسلمين في أنحاء العالم هذه الأحداث بالكثير من الاستياء والانزعاج، مما ساهم في عزل إيران شعوريا ونفسيا عن بقية دول العالم الإسلامي حتى اللحظة الراهنة.

لم تغير إيران سياستها كثيرا، فقبل عدة أسابيع قليلة أرسلت طهران طائرة تقل معتمرين للمملكة دون الحصول على ترخيص مسبق من السلطات السعودية المختصة، وهو الأسلوب المتبع في جميع دول العالم، مما حدا بالمملكة لمنع دخولها الأجواء السعودية وإعادتها من حيث أتت، وما لبثت أن عادت للاستفزاز مرة أخرى بتحدي حظر الطيران المفروض على اليمن منذ بدء عاصفة الحزم، حيث دخلت طائرة إيرانية مدنية أجواء اليمن بالفعل وحاولت الهبوط بمطار صنعاء، متجاهلة التحذيرات المتكررة في محاولة منها لاستفزاز المملكة لحثها على إسقاط الطائرتين، من أجل أن تجد ذريعة قوية ومباشرة تدعي من خلالها أن المملكة تسقط الطائرات المدنية وتقتل ركابها المدنيين المسالمين.

ربما لا يدرك ساسة إيران أن أساليب استفزازها مكشوفة تماما، وأن المملكة تدرك تماما محاولاتها اليائسة لجرها لمستنقع الاستفزاز، فالمملكة تتبع أسلوبا حكيما لردع إيران دون الزج بالشعب الإيراني المسلم لحفر الموت، وهو الأمر الذي تتمناه إيران، فطائرة الركاب أمرت بأن تعود من حيث أتت دون التعرض لها رغم عدم حصولها على تصريح مسبق، أما الطائرة المدنية فلم تتجاهلها المملكة، بل قامت بقصف المدرج المخصص لهبوطها مما اضطرها للعودة والخروج من الأجواء اليمنية، وفي كل ذلك لا تبالي إيران بعدد ضحاياها، لا يهمها عدد المواطنين الذين قد يسقطون جراء تلك الاستفزازات، لا يهمها من عاش ومن مات، كل ما يهمها هو تنفيذ مخططاتها وإيقاع الدول في الشرك الذي تعده لهم.

المصدر : عكاظ




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع