هل انضمت حركة الجهاد الإسلامي لجوقة الفصائل الفلسطينية المستأجرة؟

عدد القراء 1941

أسامة شحادة

عرفت مسيرة المقاومة الفلسطينية عبر تاريخها استئجار العديد من الفصائل الفلسطينية أو أجنحة فيها من قبل الأنظمة العربية كقوات الصاعقة التابعة لسوريا والجبهة العربية التابعة للعراق، ولعل تنظيم "أبو نضال" كان أبرز مثال على ذلك، بل تميز بكونه قابلا للتأجير لمهمة أو مرحلة محددة وقصيرة، حتى لقب التنظيم وزعيمه بأنهما "بندقية للإيجار".

ولكن مع تضخم المسار التفاوضي وسيطرته على غالب الفصائل الفلسطينية بشكل مباشر أو غير مباشر من جهة، وغياب العديد من فرسان تلك العلاقة الفلسطينية والعربية بالموت من جهة أخرى، جعل تلك العلاقة المستأجرة تتوارى قليلا عن المشهد السياسي الفلسطيني.

لكن الثورة السورية ضد النظام الطائفي البعثي المجرم لبشار وأبيه كشفت عن استمرار هذه الظاهرة السيئة، فقد كشف عدوان هذا النظام على مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، عن استمرار تنظيم أحمد جبريل في العمالة للنظام السوري، وأنه يقدم العمالة والخيانة للنظام السوري على حماية شعبه، وذلك من خلال مهاجمة الثوار الفلسطينيين والسوريين في المخيم بل وحصاره وقطع الماء والطعام والعلاج عن سكانه من الأبرياء.

لكن أخطر ما كشفت عنه الثورة السورية هو استئجار المحور الإيراني (إيران، حزب الله، العراق، سوريا، الحوثيين) اليوم لحركة الجهاد الإسلامي بالكامل، وأن الحركة اليوم لم تعد بوصلتها فلسطين والأقصى، بل توجيهات طهران وخامنئي.

فمعلوم أن علاقة حركة الجهاد بإيران علاقة قديمة جداً وتعود لنهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي(1)، ويكفيني هنا تصريح الأمين العام للحركة حالياً د. رمضان شلح لموقع الإسلام اليوم(2)، حيث يقول: "لا بد أن نتحدث بصراحة، ونضع النقاط على الحروف لنبين مصدر هذه التهمة لنا تاريخياً في الساحة الفلسطينية.

يؤسفني أن أقول، مضطراً، إن أول من اتهمنا في علاقتنا بإيران والشيعة هم الأخوة في حركة الإخوان المسلمين بقطاع غزة، وأقول الإخوان لأن الاتهام كان مبكراً قبل إنشاء حماس، وكانوا يعملون يومها تحت اسم "المجمع الإسلامي"، لكنهم عندما رأوا في هذه المجموعة من الشباب التي شكلت حركة الجهاد لاحقاً خروجاً عن النهج الذي يسيرون عليه، أعلنوا حرباً .. لا أريد أن أنكأ الجرح باجترار تفاصيلها، لا سيما أننا تجاوزناها منذ زمن والحمد لله، لكن الصداع المتعلق باتهامنا بعلاقتنا بإيران والشيعة يجب أن ينتهي، وأن نقدم حجتنا فيه للناس وقبل ذلك بين يدي الله عز وجل.

نعم نحن أيدنا الثورة الإسلامية في إيران، شأننا في ذلك شأن ملايين المسلمين، وكل ما قلناه يومها إن هذه الثورة التي أسقطت نظاماً من أقوى حلفاء الكيان الصهيوني في المنطقة والعالم، يمكن أن تشكل سنداً لنا في جهادنا من أجل تحرير وطننا

المغتصب.. ما قلناه قبل حوالي ربع قرن هو ما يطبقه الإخوة في حماس اليوم في علاقتهم بإيران والشيعة".

إذن شلح يعترف أن ما يقوم به الإخوان / حماس الآن من علاقات واتصال بإيران سبقتهم به حركة الجهاد من 25 عاما!

لكن هل بقيت القضية علاقة واتصالات مع إيران أم تطورت لتصبح عمالة واستئجارا كما سبق وأن فعلت ذلك العديد من الفصائل الفلسطينية؟ هذا هو السؤال المهم اليوم، والذي سنبحث عن إجابته من خلال النقاط التالية:

* حرص د. فتحي الشقاقي، مؤسس الحركة، على استقلالية قرار الحركة في البدايات وكان يدرك حاجة إيران للعب دور في القضية الفلسطينية، ونجده يصرح أن الحركة لم تتلقَ دعما من إيران حتى عام 1988م، سوى بعض المساعدات الإنسانية، وأن هذه المساعدات كانت دون المأمول حتى! فهل لا يزال قرار حركة الجهاد مستقلا، وهل لا تزال الحركة مستغنية عن التمويل الإيراني؟؟

* وتكشف شهادة د. محمد مورو والذي يعد من المصريين القلائل الذين شهدوا نشأة حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في مصر، عن وعي الشقاقي بعدم التورط في الصراعات العربية، بل نصح د. مورو الشقاقي بعدم التقاطع والاتصال بالحركة الإسلامية في مصر، وأن تبقى حركة الجهاد في قضيتها المركزية وهي فلسطين، وهو المأخذ الرئيسي لهم على جماعة الإخوان بسبب تخلف القضية الفلسطينية عن أجندتهم(3).

فهل لا تزال حركة الجهاد الإسلامي تحصر نشاطها وعملها في القضية المركزية للأمة وهي فلسطين، أم تورطت في تنفيذ أجندات وصراعات محلية هنا وهناك، بعيدا عن قضية فلسطين وتحرير الأقصى؟؟

* منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011 تباينت مواقف حركتي حماس والجهاد منها، ففي البداية وقفتا على الحياد، ثم انحازت حماس للثورة بعدم تأييد النظام الأسدي علناً، ثم الانسحاب من دمشق، ومقاطعة مؤتمرات طهران، بينما بقيت الجهاد في دمشق وطهران، وصرحت بتأييد النظام السوري المجرم، وسكتت عن جرائمه بحق شعبه السوري وبحق شعبها الفلسطيني في سوريا، وبقيت تواصل تلميع النظام الإيراني الوالغ في دماء السوريين والفلسطينيين، بالخطابات الرنانة من على منابر مؤتمرات طهران الدعائية.

فهل تأييد النظام المجرم ضد شعبه يتسق مع موقف الشقاقي بالتركيز على قضية فلسطين والبعد عن نصرة الحركة الإسلامية في أي صراع لها مع السلطات؟؟

* وعقب العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2012، ظهرت للسطح خلافات عميقة بين حماس والجهاد في غزة، بسبب ارتهان القرار العسكري لحركة الجهاد لأوامر طهران، بما يتصادم مع رؤية كتائب القسام لإدارة المعركة.

وتجلى هذا الخلاف في الاستجابة لطلب حسن نصر الله من حماس والجهاد بشكر إيران علنا على دعمها لغزة، فبادرت حركة الجهاد لتعليق يافطات الشكر الضخمة لإيران في شوارع غزة، بينما تجاهلت حماس الطلب، لكنها لم تعترض على تعليق الجهاد ليافطات الشكر!

فهل أصبح دعم فلسطين نوعا من التكرم والتفضل يحتاج إلى شكر، وهل هذا يتفق مع إدراك الشقاقي لحاجة إيران لقضية فلسطين، وليس العكس؟

* هذا التباين في تطور العلاقة بين حماس والجهاد مع إيران، نتج عنه مقاطعة إيران لحماس وزعيمها خالد مشعل، بل والهجوم والطعن والشتم لحماس ومشعل، بل هناك من يقول إن طهران لا تزال ترفض زيارة مشعل لها، ومما يعزز هذا الأمر أن وفد حماس الذي يزور طهران اليوم (8/12/2014) هو بقيادة محمد نصر!

بينما تتواصل زيارات شلح وقادة الجهاد لطهران بكل حفاوة وتكريم، وتتدفق عليهم الأموال والمساعدات، حتى صرحت قيادات الحركة أنه لولا الدعم الإيراني لم تنتصر غزة في حرب 2014، وعلقوا مرة أخرى يافطات الشكر لطهران في شوارع غزة، لكنها هذه المرة تعرضت للتخريب!! بينما حماس وكتائب الأقصى صرحت أنها خاضت الحرب بعيداً عن الدعم الإيراني بل انتقد د. موسى أبو مرزوق الدعم الهاتفي لغزة بعد 20 يوما من حزب الله!!

* وتأتي مشاركة شلح مؤخراً في مؤتمر طهران لدعم الإرهاب، لترجح وتؤكد الشكوك حول تأجير الحركة نفسها للأجندة الإيرانية، فطهران راعية الإرهاب في المنطقة منذ قيام الجمهورية الخمينية عام 1979، والتي تمارس الإرهاب اليوم في إيران ضد الكثير من مواطنيها على اختلاف عرقياتهم وتياراتهم السياسية ومذاهبهم، وفي العراق ضد السنة، وفي البحرين ضد النظام والسنة، وفي لبنان ضد مختلف الطوائف، وفي سوريا ضد الشعب الثائر، وفي اليمن بدعم الحوثيين.

فيقوم شلح بالتغاضي عن كل هذا الإرهاب، بل وبالتغاضي عن كل الإرهاب الإيراني ضد الفلسطينيين في لبنان والعراق وسوريا، ويتبنى أجندة إيران في حرب داعش، داعش التي رعتها إيران ووكلاؤها وهم المستفيدون الأوائل منها.

فهل هذا يخدم مركزية القضية الفلسطينية، يا شلح؟

* وأخيراً تأتي زيارة ممثل الجهاد الإسلامي في صنعاء لمدينة صعدة، مقر الحوثيين، فيزور قبر زعيمهم حسين الحوثي، ويقدم درع الحركة لشقيقه القائد، وهؤلاء الحوثيون لم يعرف لهم دور إيجابي واحد على مستوى محافظة صعدة، فضلاً عن اليمن، فكيف بفلسطين!

وهذه الزيارة لا مهمة لها إلا تبييض صورة الحوثيين الإرهابية الذين احتلوا العاصمة وعددا من المحافظات ونشروا الخوف والذعر، وسلبوا مقرات الدولة وأسلحة الجيش، فيصدر الأمر لهم بتلميع صورة الحوثيين عند البسطاء من خلال توظيف اسم فلسطين.

وفي تبرير حركة الجهاد لهذه الزيارة قالوا إنها جاءت ضمن زيارة كافة الأحزاب اليمنية، وهو كذب مفضوح.

إن هذه النقاط بمجموعها لتدل وتؤكد على أن حركة الجهاد الإسلامي تجاوزت مرحلة العلاقات والاتصال بإيران، لمرحلة أخس وأدنى، وهي مرحلة تأجير نفسها لصالح الأجندة الإيرانية الطائفية الإرهابية.

ويبقى في الختام تنبيه حركة حماس خصوصاً وجماعة الإخوان عموماً، على بؤس هذا الخيار الإيراني في العلاقات والتعاون، وأن نهايته العمالة والخيانة لقضية فلسطين وتحرير الأقصى، وهذا التحذير بمناسبة محاولة حماس أو تيار فيها إعادة العلاقة أو الارتباط بإيران، وبمناسبة تفاهم حزب الإصلاح اليمني مع الحوثيين، وبمناسبة استمرار انخراط الحزب الإسلامي العراقي في فلك الحكومة الطائفية، فحذارِ حذارِ من مصير حركة الجهاد الإسلامي. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع دراسة لي حول ذلك بعنوان "حركة الجهاد الإسلامي والهوى الشيعي الإيراني"، في كتابي "المشكلة الشيعية"، وموقع الراصد نت.

(2) بتاريخ 20/7/2007.

(3) في كتابه "الإسلام السياسي، شخصيات"، مكتبة جزيرة الورد، ص 149.

 

 

 

 

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع