صفحات منْ تاريخِ المقاومة الشعبية للتشيّع في العراق (1/2)

عدد القراء 1223

عبد العزيز بن صالح المحمود – كاتب عراقي

 خاص بالراصد

مرّ على الحراك الشعبي في العراق أكثر من ستة أسابيع، وبدأت تظهر في الأفق علامات على تطورات جديدة، من سقوط قتلى (نحسبهم عند الله شهداء) في الفلوجة، ومن نجاح البرلمان العراقي في تحديد فترة رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي بولايتين فقط([1]). وستأتي المبشرات بالخير للشعب العراقي الصابر على الإحن والمحن.

 والجميع يعرف أن الحراك في العراق سني بامتياز، وهو صورة من ثورة سُنية على الظلم والإقصاء الشيعي الإيراني لأهل السُنة منذ الاحتلال الأمريكي 2003م، هذا الظلم الذي عانى السنة منه حتى بلغوا مرحلة الغليان والانفجار، وساعدت الأحداث في دول الربيع العربي بصورة عامة وبما يجري في سوريا الشام من بشائر النصر بزوال هيمنة الاحتلال الإيراني النصيري (العلوي) لأرض الشام منذ أكثر من 40 سنة.

ولابد لأهل العراق أن يعلموا أن في تاريخ العراق صفحات مطوية، تمثل جهودا تشبه ما يجري اليوم من صور مقاومة التشيع.

وكنّا في مقالاتنا السابقة بالراصد (جُهود عُلماء العِراق ومفكريهم ودعاتهم في الردّ على الشيعة) تناولنا جهود النخب من أهل العلم والحكام والمفكرين خلال أربعة قرون، واليوم نتناول الجهود الشعبية الجماهيرية السنية خلال تاريخ الإسلام كله في صدّ ومقاومة التشيع في العراق.

لماذا نقاوم التشيع؟

مخطئ ومجانب للحقيقة والواقع من يتصوّر أن التشيّع يقتصر على اعتقاد محبة أهل البيت، وأن عليّاً رضي الله عنه هو خير الصحابة، وأن مذهب آل البيت الفقهي والعقائدي أولى بالاتباع من غيره، وأن الشيعة هم أفضل المؤمنين من غيرهم، أو أنهم الخاصة وغيرهم من العامة.

إذ يمكن أن يعد كل هذا بغضّ النظر عن صوابه من عدمه آراء خاصة بالشيعة يمكن أن تناقش في حيز الأفكار، لكن التشيع في حقيقته وواقعه هو فكر وسلوك إقصائي لا يعترف بغيره، بل يعتبر غيره كافراً، وأن على الشيعة أن يستغلوا ويتحينوا الفرص كي يزيحوا ما عدا الشيعة من أي بلد.

 إذاً التشيع هو حركة إقصائية تكفيرية، لا تؤمن بالتعايش مع غيرها، فضلا عن أن تكون حركة وطنية تؤمن بالمواطنة، وحق الآخر في العيش على حد سواء، إنه تفكير وسلوك يشبه التفكير اليهودي؛ فهم شعب الله المختار وغيرهم خدم لهم، لكن هذا الأمر لا يظهر جلياً واضحاً حين يكون التشيع  تحت ظل حكم سُني؛ لأن التقية جاهزة لمثل هذه الظروف، لكنك تلحظ هذا واضحا عندما يحكم الشيعة أي بلد من البلدان، فعندما حكم الشيعة الصفويون إيران ذبحوا السُنة واضطهدوهم، وعندما حكم الشيعة العراق إبان دخول الصفوييين بغداد هدموا المساجد وذبحوا وأعدوا قوائم لذبح أهل السُنة، ومارسوا الإرهاب بكل صوره؛ من التهجير والإقصاء والتعذيب، هذا هو حكم الشيعة تاريخياً.

أما في واقعنا المعاصر: فعندما حكم الشيعة العراق سنة 2005 ليومنا يعيش أهل السُنة تحت طغيانهم وظلمهم الذي لا يصدقه عاقل، فأهل السنة يتعرضون لإرهاب شيعي بشع يقوم على تنفيذ مخطط لإفراغ البلاد منهم؛ بالتهجير والقتل والحبس والاغتصاب والتجويع والإقصاء.

بينما عندما حكم السنُة العراق لمدة 1400 سنة عاش الشيعة تحت كنفهم، معززين كمواطنين عاديين، يمنعون فقط من إيذاء أهل السنة (بالشتم للصحابة ولرموز الأمة) ولهم مساجدهم وحسينياتهم، ومزاراتهم وأضرحتهم ومؤلفاتهم.

فلماذا لا يقاوم السنة هذا الدين أو هذه الطائفة التي لا تؤمن بالتعايش الصحيح مع غيرها إلا بأن تقضي على غيرها؟

إنّ أهل السُنّة هم من حافظ على حضارة العراق وبنى مدنها وأسس مجدها وليس الشيعة، وهذه حقيقة معروفة للجميع؛ فهم من بنى الكوفة والبصرة وواسط وبغداد، وفي المقابل حين احتلت أمريكا العراق فإن الذي نهب المتاحف والمؤسسات الرسمية والبنوك هي العصابات والميلشيات الشيعية!

إن هذه الحقيقة يدركها اليوم الجميع، حتى أكثر الناس اليوم تشدقاً بدعوى الوطنية وعدم ذكر قضايا السنة والشيعة وهو الدكتور الشيح حارث الضاري يقول: إن إنقاذ العراق لا يتم إلا على يد أهل السُنة([2]). ويعترف بذلك كثير من القوميين والبعثيين، فهي حقيقة ملموسة ومسلّمة من الجميع.

فحكم التلاميذ المباشرين لمحمد باقر الصدر بعد الاحتلال الأمريكي أنتج لنا عراقاً فاسداً بجميع المقاييس المحلية والدولية والإنسانية، فاسدا ماليا وإداريا واجتماعيا، حتى في مناطق الشيعة. فهل آن لأهل السنة بجميع نخبهم العلمية والفكرية والحاكمة والشعبية أن يحاربوا هذا المرض الذي يريد تدمير البلاد والعباد؟!

تاريخ الحراك الشعبي في العراق لمحاربة التشيع:

رغم أن التشيع نشأ في العراق إلا أنه بقي محصوراً ومحدودا فيه؛ لأن التشيّع حركة باطنية تعتمد مبدأ التقية والتلون، فهي تشبه صفات العبد الذليل: استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمرد حين يرفع السوط، وبقي العراق سُنياً في كل العصور بدءاً من الأمويين فالعباسيين، وعهد المغول والتركمان ثم الدولة العثمانية، ثم تكوين العراق الحديث سنة 1921 لغاية 2003م، وخلال تلك العهود كان الشيعة يتحينون الفرص السياسية، والغفلة من قبل العلماء والحكام، ويتخذون من الحركات والأحزاب السياسية والاجتماعية جسراً للحصول على موطئ قدمٍ جديد يحقق المكاسب للتشيع، ولم ينجحوا على مدار 14 قرنا بحكم العراق برغم حصولهم على بعض النفوذ أحياناً، لكن العراق بقي -على كل حال- بلداً سنياً، ولولا المقاومة والجهود المتواصلة من النخبة (العلماء والحكام والمفكرين) أو من الشعب لكان العراق اليوم بلداً شيعياً شأنه شأن إيران منذ زمن طويل.

جماهير العراق في العصر العباسي الأول:

يسجّل التاريخ أنّ بغداد منذ أن بناها أبو جعفر المنصور سنة 150هـ وكانت المؤشرات تشير إلى أن أهالي بغداد وساكنيها سُنة أقحاح يرفضون سبَّ أي صحابي أو التعدي عليه أو سب الدولة الأموية، وقد أرخ لهذه الظاهرة الأديب الجاحظ (ت 255هـ) وهي ظاهرة ظهور مجاميع شعبية من عامة بغداد يذكّرون الناس في الطرقات بحب الخليفة معاوية وبقية الأمويين ومنع سبهما، سماهم البعض العثمانيين (نسبة لعثمان بن عفان) وأن ظاهرة حب الأمويين ومعاوية اشتهرت في بغداد والبصرة وواسط، وكان هذا التيار الشعبي يرفض صنفين من سكان بغداد: المعتزلة والشيعة.

وظهر في وقتهم لقب لمعاوية (خال المؤمنين) نكاية بالشيعة، وكان القُصاص في مدينة بغداد يذكرون في قصصهم بحب معاوية، وأصبح ذلك من الأغاني الشعبية (الفلكلورية) يفرطون في حب معاوية، وكانوا يسقون الماء والعصير للناس مجاناً على حب معاوية، مما أزعج السلطات العباسية وقتها، ووقتها سلك العباسيون سلوكاً خاطئاً سياسياً، وأرادوا التخلص من ظاهرة حب الأمويين ومعاوية، من وجهة نظر سياسية؛ فأوعزوا إلى مجموعة من الكتاب أصحاب الميول الشيعية والشعوبية لتأليف كتب في ذم الأمويين؛ ومن هؤلاء: ابن الكلبي، وابن عمار الثقفي، والجاحظ([3]). ومن يومها ظهرت الروايات الشيعية للدس في التاريخ الإسلامي.

 وأراد الخليفة العباسي المهدي (160هـ) أن يطعن في معاوية بكتاب رسمي يقرأ في المدن والمساجد، إلا أن خوفه من ردة فعل العشائر القيسية حيث كتب له والي البصرة أنّ ردة فعل الجماهير ستكون قوية فامتنع عن إصدار الكتاب([4]).

وفي عصر هارون الرشيد حصلت صدامات بين الجماهير السنية والشيعة في بغداد في سنة 174هـ([5])، ولكنها كانت محدودة.

وكان هوى أهل بغداد مع الخليفة الأمين ضد أخيه المأمون وقاتلوا معه لأن الأمين يمثل الخط العربي، بينما يمثل المأمون الميول الفارسية العلوية (الشيعية) في نظر جماهير بغداد، وأن الرأي العام السائد في بغداد ضد الخليفة المأمون بسبب ميوله للشيعة([6]).

أما في عصر المأمون (والذي كانت له ميول شيعية) وأراد إعطاء ولاية العهد إلى علي بن موسى الرضا وزوّجه ابنته فهاجت العامة، وأراد المأمون أن يكتب كتابا يقرأ على المنابر بلعن معاوية إلا أن يحيى بن أكثم قاضي القضاة وأحد مستشاريه - وهو الصوت السني الوحيد في بلاطه آنذاك - منع الخليفة المأمون وخوّفه من ثورة أهل بغداد ضد الدولة. حتى عثر في الشوارع  على رقاع تشتم الخليفة([7]).

أما في أيام الخليفة العباسي المعتضد (288هـ) فقد بلغه أن أهل بغداد يذكرون معاوية والأمويين بخير فأراد تكرار تجربة المأمون في لعنه واتخذ عدة خطوات لمنع أهل بغداد من الثورة، ألا أن المقربين منه منعوه خشية الثورة على الخلافة العباسية([8]).

ولابد من الإشارة إلى أن شخصية الصحابي معاوية رضي الله عنه اعتبرت من قبل أهل السُنة (علماء وجماهير) حداً فاصلا بين مذهبهم ومذاهب الرافضة.

وكان لصمود الإمام أحمد حنبل ووقوفه أمام محنة خلق القرآن أن صنعت له شعبية جماهيرية قوية في العراق وبغداد، ومما يؤكد على ذلك مشهد جنازته رحمه الله، إذ لم تعهد بغداد والأمة الإسلامية مثلها، وكانت ظاهرة جماهيرية الحنابلة في بغداد تمثل ظاهرة سنية يحسب الجميع حسابها، والتف الناس حول تلامذة الإمام أحمد مثل المروذي، وعندما أتهم الإمام الطبري المؤرخ والمفسر بميله للتشيع ثارت عليه جماهير بغداد، وأيّاً كانت صحة التهمة من عدمها فهذا يمثل ثورة لجماهير بغداد السنية ضد التشيع.

كما قاد العالم البربهاري الحنبلي جموع الجماهير ضد حملة التشيع والرفض، لأنه أحس أن هناك وجودا لوزراء شيعة داخل البلاط العباسي يتآمرون؛ لذلك قاموا بإبعاد البربهاري إلى البصرة([9]).

وكان الوزراء الشيعة يزينون للخلفاء إزاحة وزراء أهل السنة ليصفو لهم الجو وينشروا فتنتهم، وحين شرع الشيعة في بغداد بالتجمع في مسجد براثا سنة 313هـ غربي بغداد (الكرخ) فينالون من الصحابة ولا يصلون الجمعة ويكاتبون القرامطة ويتبرؤون من الخليفة المقتدر، فلما بلغ الخليفة خبرهم أمر بهدم البناء الذي في ذلك الموضع وعده مسجد ضرار([10]).

وتكررت المحاولة (للعن معاوية بتزيين من وزراء وقادة شيعة في عهد الخليفة القاهر (321هـ) على يد قائد جنده ابن يلبق وبعض الوزراء الشيعة، فقام أهالي بغداد بالثورة في الطرق فاضطر  القاهر إلى إلغاء فكرة لعن معاوية والأمويين([11]).

ولابد من الإشارة إلى أنه قبيل سقوط الخلافة بيد وزراء البويهيين ظهرت السيطرة الشيعية على الحكم العباسي جليا وبقيت جماهير الحنابلة بقيادة البربهاري يمثلون المقاومة الفعلية لهذا الوجود الشيعي.

سيطرة الدولة البويهية على الخلافة العباسية:

ذهبت القرون الثلاثة الأولى الفضلى وظهرت الفتن كما أشأر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعظم الفتن هي ظهور التشيع في العالم الإسلامي كوجود سياسي في مؤشر على بداية ضعف الخلافة السنية وتفرقها، فقد كان للشيعة ظهور واضح، واحتلوا مواقع بارزة في المسرح السياسي في العالم الإسلامي؛ فكان القرامطة في الجنوب (الجزيرة العربية) والعبيديون (الفاطميون) في المغرب، وبنو حمدان في نواحي الموصل ومن ثم حلب، وكان ظهور القرامطة بشكل خاص له تأثير سلبي على الجماهير في عاصمة الخلافة، وله تأثير نفسي سيئ على أهل بغداد بسبب ما تقترفه يدهم الآثمة مع  الحُجاج.

كما مثّل الروافض قوة سياسية في بغداد تتحكم في مصائر الخلفاء بعد هيمنة البويهيين على الحكم، وسيظهر لاحقا تأثير الوزراء والقادة من البويهيين([12]) في الحياة السياسية في بغداد.

دخل البويهيون بغداد سنة 334هـ فتحولت سيطرة الوزراء الشيعة الجزئية على الحكم إلى سيطرة بويهية كلية على الخلافة العباسية، وظهر جليا دور الجمهور البغدادي الحنبلي في هذه الحقبة، ولم يكن هذا الظهور الجماهيري السني الوحيد في العراق؛ فها هم أهل أصبهان السنة الذين كانوا تحت سيطرة البويهيين يثورون في سنة 345هـ على رجل من أهل قم سبّ الصحابة، فعاقبهم البويهيون بفرض ضرائب على تجّارهم([13]).

وعودة إلى دار السلام بغداد فقد كان السنة يعيشون في جانب الرصافة، والشيعة يعيشون مع خليط من أهل السنة في جانب الكرخ. لكن الشيعة شرعوا- كالعادة بالتمدد على منطقة الرصافة، (محلة باب الطاق) شمال شرق بغداد، وكان الحنابلة يسدون أغلب محلات بغداد مثل محلة باب الأزج (بقي منها اليوم باب الشيخ) ومحلة باب البصرة والحربية وحتى باب الطاق كان بها حنابلة، وجماهير أهل السنة في بغداد كانوا حنابلة.

خاف البويهيون سطوة العامة وثورتهم فلم يسقطوا الخلافة العباسية وأبقوها شكلا، وكانت هناك أسباب أخرى منعتهم من إسقاط الخلافة العباسية، ولأنهم خشوا ثورة عامة الجماهير المسلمة من خارج العراق عليهم فنصحهم الوزراء والمستشارون بالكف عن هذا القرار. فشرعوا بإلهاء الناس عن غلاء الأسعار في بغداد بسياسات الألعاب الرياضية بالجري بالخيول والسباق والمصارعة.

وشجع وجود حاكم شيعي في بغداد رافضة الكرخ وشيعتها على التحرك، فحصلت فتنة محدودة نهبت بها محال تجارية بين سنة الكرخ وشيعتها وذلك سنة 338هـ بعد أربع سنوات من سيطرة البويهيين على الحكم. ثم حدثت فتنة أخرى سنة 346هـ بسبب سب الشيعة للصحابة علناً، لكن هذه المرة سالت لأول مرة دماء وقتل عدد لا يستهان به من الطرفين.

وأصبح من المعتاد عند الشيعة سب الصحابة وتكفيرهم، فهاجت جماهير أهل السنة ضدهم  سنة 347هـ.

وجرت في السنة التي بعدها (348هــ) فتنة أكبر حصلت فيها حرائق كثيرة وقتلى ووصفت عند المؤرخين بأنها (وقعة هائلة).

وجرت سنة 349هـ فتنة عظيمة تعطلت بسببها الجمع والجماعات لأن الشيعة قاموا بأسر هاشمية (عباسية).

وفي سنة 351هـ أظهر الشيعة شعارات لعن معاوية كتابة على المساجد والطرقات وكتبوا: (لعن الله معاوية بن أبي سفيان ولعن من غصب فاطمة رضي الله عنـها فدكاً ومن منع مِن أن يدفن الحسن عند قبر جده عليه السلام ومن نفى أبا ذر الغفاري ومن أخرج العباس من الشورى) على مساجد بغداد، فهبت جماهير أهل السنة ومحوا ذلك. كل هذا والخليفة العباسي لا يحرك ساكناً، فحاول معز الدولة البويهي كتابته من جديد، فحذره أحد الوزراء وقال له: بدّل صيغة الكتابة وصرّح بلعن معاوية، وهذه كانت المحاولة الرسمية الأولى لجس نبض الشارع السني من قبل الحاكم الشيعي.

وفي سنة 352هـ نفذ الحاكم الشيعي مخططه في عاشوراء فأمر الناس أن يغلقوا دكاكينهم ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء وأن يظهروا النياحة ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن يخرج النساء منتشرات الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن يدرن في البلد بالنوائح ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي رضي الله عنهما ففعل الناس ذلك، إذ فوجئ السُنة بهذا العمل ولم يكن لديهم قدرة على منعهم. وفي نفس السنة أحتفل الشيعة بعيد الغدير في 18 ذي الحجة.

ولكن أهل السنة أعدوا العدة للسنة القادمة، فلما جاءت سنة 352هـ حصلت مواجهة عنيفة بين السنة والشيعة، أدّب فيها أهلُ السنة الشيعة على تجاسرهم على الصحابة.

وفي سنة 354هـ رتب جماهير أهل السُنة أمورهم وهجموا على مسجد براثا (وهو وكر المؤامرات الشيعية) وقتلوا مَن فيه من الشيعة.

وكان سبب تلك الفتن هو مرور مواكب شيعية على محلات سُنية ويسمعون أهل السُنة السباب وانتقاص الصحابة، ويستفزونهم بذلك، فتثور ثائرة أهل السنة، وتحدث مواجهات بين جماهير السنة والشيعة.

في سنة 356هـ مات الحاكم البويهي وخلفه ابنه، قال ابن كثير:" فلما أحسّ الموت أظهر التوبة وأناب إلى الله ورد كثيراً من المظالم وتصدق بكثير من ماله، قال: وعهد بالأمر بعده إلى ولده بختيار عز الدولة، وقد اجتمع ببعض العلماء فكلمه وأخبره أن عليّا زوج ابنته أم كلثوم إلى عمر بن الخطاب فقال: والله ما سمعت بهذا قط ورجع إلى السُنة ومتابعتها"([14]). وسبحان مغير الأحوال.

وخلفه ابن ضعيف (بختيار) وبدأت الدولة البويهية تتزعزع لأن ابنه كان يميل للدعة واللهو، وجرى بينه وبين قائد البويهيين التركي (سبكتكين) وحشة وانقباض وكان هذا في مصلحة السُنة، فقد حصل توغل من الروم على تخوم الدولة العباسية شمال العراق، وشكّل السُنة وفداً للخليفة العباسي لشرح أوضاع الثغور وضعفها، وكان رئيس وفد الجماهير هو أحد علماء الحنابلة. وشكّلوا جيشاً شعبياً بعد أن مال لهم (سبكتكين)، وقبل ذهابهم أحرقوا بيوت الشيعة وقالوا لهم: (الشر كله منكم) وكان هذا في سنة 361هـ، وهو تاريخ انقلاب الموازين لصالح الجماهير السُنية([15]).

وهكذا هو دور أهل السنة دوماً الدفاع عن البلاد من أي غزو خارجي بينما وظيفة الشيعة دائما هي إثارة القلاقل للأمة؟!

وأصبح (سبكتكين) يستفيد من جماهير أهل السُنة للتسلط على (بختيار) وهو شرع يدعي السُنية ويتقرب منهم، وهكذا بدأ الشيعة بالضعف، وقوي السنة بكثرتهم وصمودهم وتفوقوا على التشيع وأهله في بغداد. ووقف السُنة مع التركي (سبكتكين) فتغلب على بختيار (الفارسي) ومكنوه من حكم بغداد([16]) وطرد الديلم (البويهيين) من بغداد سنة 363هـ، وخلع الخليفة العباسي وعين آخر، وكل ذلك بدعم جماهيري سُني. وعين منهم عُرفاء وقواداً.

لكن موت سبكتكين مكّن للبويهين بظهور قائد جديد هو عضد الدولة البويهي الذي أعاد الروح للبوييهين، لكنه أوقف المشاكل خلال فترة حكمه بين الشيعة والسُنة؛ لأنه كان - على سوء مذهبه- عاقلا، إلى أن مات سنة 372هـ، وخلفه ابنه شرف الدين، وكان عضد الدولة قد منع الشيعة من عمل المآتم، وعظّم الخلافة العباسية.

وظهرت مواجهات بين الجمهور السني والشيعة، وتقوّى جمهور السنة على الشيعة ولم يبق عضد للشيعة ألا حاكم الحلة المزيدية وهو شيعي. لا سيما مع ظهور صراع حقيقي بين البويهيين. وبقيت بغداد تتأرجح بين قوة (الفارسي) الديلم، وبين الأتراك.

وظهرت بسبب ذلك ظواهر جديدة عند بعض الجماهير السنية وهو اختراع أعياد ومزارات مضادة للتشيع فعالجوا بدع الشيعة باختراع بدع جديدة لكنها لم تعمر طويلاً، فادّعوا أن اليوم الثامن عشر من ذي الحجة (يوم الغدير) كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم الغار ومعه أبو بكر، وعملوا فيه مثل ما عمل الشيعة في يوم الغدير، وجعلوا بإزاء يوم عاشوراء يوما بعده بثمانية أيام (الثامن عشر من محرم) نسبته إلى مقتل مصعب بن الزبير وزاروا قبره كما يزار قبر الحسين وكان هذا سنة 389هـ"([17]). بيد أن هذا الأمر لم يكن مقدراً له النجاح وهذه الإجراءات السنية لم تستطع الاستمرار مثلما قدر للمواسم الشيعية بسبب أن هذه بدع يأنفها الشرع وفي منهج أهل السنة غنى عنها، بينما لا يعيش الشيعة إلا إذا أوجدوا لهم كل يوم بدعة جديدة.

وفي سنة 390هـ دب الوهن إلى شيعة بغداد وتسلط عليهم بعض السنة بمساعدة الأتراك لكن ذلك لم يستمر وتدخل أشراف الشيعة وتوسطوا لدى الحكومة للتدخل لتقف المشاكل.

وفي سنة 398هـ شرع الشيعة يستفزون أهل السنة فأخرجوا مصحفاً غير المصحف الموجود وقالوا: هذا مصحف عبد الله بن مسعود، فهاج العلماء السنة الحنابلة وغيرهم على عالم الشيعة في بغداد آنذاك ابن المعلم محمد بن النعمان، ودخلوا بيته؛ وانتهى الأمر إلى إحراق الفقهاء السنة هذا المصحف المزعوم([18]). فهاج الشيعة ولهجوا بالدعاء للخليفة الفاطمي (المنصور) في وقته، فغضب الخليفة العباسي وعاقبهم. ودبَّ الضعف أكثر إلى شيعة بغداد.

وكان البويهيون وأمراء الحلة مع شيعة بغداد، بينما كان الأتراك والخليفة العباسي مع الجماهير السنية. وكان الشيعة يتمنون هلاك الخليفة العباسي، ففي سنة 400 هـ أشيع أن الخليفة القادر مات([19])، فأظهر الشيعة الفرح بذلك، فأصدر الخليفة  قرارا بإيقاف العمل بالمواسم الاحتفالية للسنة والشيعة على السواء وكان هذا الإيقاف طبيعياً محققاً للسلامة السياسية، لولا وجود قوى متنفذة مستفيدة من إعادة العمل بهذه الطقوس.

في سنة 402هـ ثار سنة واسط على الشيعة وهزموهم حتى هرب أعيان الشيعة وبعض علمائهم في واسط إلى الحلة المزيدية([20]).

في سنة 422هـ، بعد ظهور الدولة السلجوقية في بلاد فارس تسلطت على الشيعة الروافض واكتشفت أن بعضهم شيعة باطنية لأنه كان متزوجا من 50 أمرأة، ودعمت الخليفة العباسي في بغداد؛ لذا نشط الخليفة العباسي([21]) وكان الحاكم (القائم) والذي آزره رئيس الرؤساء ابن مسلمة والذي خطط لأهل السنة بعناية لإعادة دورهم في بغداد؛ فمنع الشيعة من النوح على الحسين، وراسل السلاجقة كي يأتوا إلى بغداد وينقذوها من البويهيين الفرس، وجمعت الجماهير السنة أموالا للترك وأصبح هناك تحالف سني تركي، وجرت اجتماعات بين أعيان أهل السنة والعلماء لشرح الوضع الشيعي في بغداد.

ضعفت الدولة البويهية وحدث تجمع جماهيري سني مخطط له وهاجموا محلات الشيعة في الكرخ وحرقوها واشتعلت أغلب محلات بغداد، وأوجعوا الشيعة، وأقاموا خطيبا سنيا في مسجد براثا الشيعي.

وشرعت الدولة السلجوقية ترسل تهديدات للدولة البويهية، فقام الجماهير بمنع الشيعة من النوح في يوم عاشوراء، ووعدوا بالطاعة لكنهم خرقوا الوعد فأوجعهم جماهير السنة.

وبعد سقوط الحكم البويهي وسيطرة السلاجقة على بغداد (447هـ) خفت الأمور لأن القوة المساندة للشيعة (الدولة البويهية) ضعفت، لكن بقيت شعاراتهم مكتوبة على بعض المساجد بشكل محفور بالآجر (محمد وعلي خير البشر) لذا قامت جماهير السنة بتغيير هذه الكتابات، ودخلوا الكرخ وهم ينشدون قصائد في مدح الصحابة وقُتل بعض غلاة الشيعة وهرب شيخ الطائفة الطوسي خوفا من الجماهير السنية ونهبت داره وهذا سنة 448هـ([22]).

إلا أن الأمور لم تدم للسنة فقد دخل البساسيري إلى بغداد مستغلا خروج السلاجقة منها، والبساسيري قائد تركي غاشم (متحالف مع الشيعة) وتلقاه الشيعة في بغداد، وكان أول عمل قام به قتل ابن مسلمة، وخطب للخليفة العبيدي الفاطمي المستنصر، وخرج البساسيري خارج بغداد وخرج الشيعة معه، فهجم الوالي السلجوقي مع جماهير السنة على محلات الشيعة ونهبت أموالهم، والتقى السلطان بجيش البساسيري فهزمهم الله حتى أنه لم ينج من أصحابه إلا القليل وقتل البساسيري([23]).

دب الوهن والخوف بالشيعة حتى كانوا يُحضرون نساء ينحنَ داخل البيوت في عاشوراء ([24]). ثم خبت نار الشيعة إلا في حوادث متفرقة هنا وهناك قرابة 200 عام.

إلا أن غفلة الحكام مع الشيعة مكنتهم من جديد، فبعد وفاة الخليفة المستضيء سنة 575هـ، خلفه ابنه الناصر الذي قرّب الشيعة ومنهم الوزير ابن القصاب وكان يكره الحنابلة([25]) واستعان بحفيد الشيخ عبد القادر الكيلاني عبد السلام والذي كان يبغض ابن الجوزي، فنفى ابن الجوزي من بغداد إلى واسط، ولم يرجع من منفاه إلا بعد وفاة ابن القصاب سنة 592هـ، وكانت أذية ابن الجوزي أذية للحنابلة والذين هم من يقود الجماهير السنية([26])، وخبت روح الجماهير العراقية إذ أن المحرك لهم وهم الحنابلة بدأ نجمهم يأفل في العراق ويسطع في الشام.

ووقع الحكام مرة أخرى في الغفلة عن خطر التشيع فعين آخر الخلفاء العباسيين في بغداد (المستعصم) وزيرا شيعيا حاقدا هو ابن العلقمي، ولما تحرك الشيعة سنة 655هـ تصدى لهم جماهير السنة بالتأديب ونهبت مساكنهم، فأثر ذلك في نفس الوزير ابن العلقمي فكاد للخلافة العباسية مكيدة عظيمة، فقلص الجيش من 100 ألف جندي إلى عشرة آلاف، وكاتب التتار سراً، وقدم لهم الخلافة العباسية على طبق من ذهب فقُتل الخليفة وقتل أهل بغداد مقتلة عظيمة وذلك سنة 656هـ([27]).

هذه هي نتيجة الغفلة المتكررة من أهل السنة حكاما ومحكومين حين ينسوا حقيقة الشيعة فيعينوهم وزراء ومدراء ومسؤولين فيستغل الروافض ذلك ويكيدون للإسلام السني أيما مكيدة، وما خبر أمريكا في العراق عنكم ببعيد!

وللحديث بقية

...........................................................

[1] - وهذا القانون يحتاج إلى موافقة المحكمة الدستورية ليصبح نافذاً، وهذا القانون يشير إلى تشكل توافق سني وكردي مع بعض الشيعة على إزاحة الشيعي الدكتاتور نوري المالكي.

[2] - يكرر ذلك مراراً في مجالسه الخاصة والعامة وسمعتها منه شخصياً أكثر من مرة.

[3] - انظر: ابن النديم "الفهرس" ص166، معجم الأدباء، لياقوت الحموي (16/107)، تاريخ الطبري (8/173) ومن هذه المؤلفات (مثالب الأمويين)، (مثالب معاوية)، (تفضيل بني هاشم وذم بني أمية وأتباعهم)، (فضل هاشم على عبد شمس).

[4] - تاريخ الطبري (8/132).

[5] - النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ( 2/77).

[6] - البداية والنهاية لابن كثير (10/277).

[7] - بغداد لابن طيفور (54).

[8] - تاريخ الطبري (10/63).

[9] - البداية والنهاية لابن كثير (11/55).

[10] - المصدر السابق (11/152).

[11] - تجارب الأمم والملوك لابن مسكويه (1/260)، والمنتظم لابن الجوزي (6/249).

[12] - البويهيون شيعة زيدية جارودية، وهم أسوأ أنواع الزيدية وهم أقرب شيء إلى الشيعة الإثني عشرية، ومنهم اليوم في اليمن الحوثيون.

[13] - الكامل لابن الأثير (8/517).

[14] - البداية والنهاية (11/ 262).

[15] - المصدر السابق (11/ 272). 

[16] - تجارب الأمم، (6/328).

[17] - المنتظم، (7/206).

[18] - البداية والنهاية، (11/339).

[19] - المصدر السابق، (11/342).

[20] - الكامل، (9/295).

[21] - المصدر السابق، (9/415).

[22] - المنتظم، (8/171).

[23] - البداية والنهاية، (12/83). 

[24] - استمرت هذه العادة في العراق ليومنا هذا بما يسمى (الملايات) للقراءة في البيوت، وخاصة في عهود خنوع الشيعة.

[25] - البداية والنهاية (13/106).

[26] - العليمي، المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، (4/35).

[27] - علي بن محمد باخيِّل آل بابطين، سنوات الحنابلة في بغداد، (175).




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع