معاوية بن أبي سفيان في ميزان أهل الإيمان (3-4)

عدد القراء 2155

 د. خالد الخالدي

معاوية بن أبي سفيان في ميزان أهل الإيمان (1) معاوية بن أبي سفيان في ميزان أهل الإيمان (2) معاوية بن أبي سفيان في ميزان أهل الإيمان (3)

شهد لمعاوية بالفضل الكثير من أهل الفضل سواء من الصحابة أو التابعين أو العلماء أو المؤرخين الذين عرفوه أو سمعوا عنه أو قرؤوا تاريخه، وتلكم بعض شهادات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاوية- رضي الله عنه- أنقلها من المصادر الموثوقة:

 1- قال عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما-: "ما رأيت أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية".

 2- قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:" ما رأيت أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء واد رحب".

 3- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية!!". وعندما دافع عبد الرحمن بن عوف عن اعتراض عمر على استحداث معاوية للتحرك في موكب بقوله:" ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين" رد عمر قائلاً:" لحسن موارده ومصادره جشمناه ما جشمناه" ، ويروى أنه " دخل معاوية على عمر وعليه حلة خضراء، فنظر إليها الصحابة، فلما رأى ذلك عمر، وثب إليه بالدرة، فجعل يضربه بها، وجعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين الله الله فيّ، فرجع عمر إلى مجلسه، فقال له القوم: لم ضربته يا أمير المؤمنين وما في قومك مثله؟! فقال: والله ما رأيت إلا خيراً، وما بلغني إلا خير، ولو بلغني غير ذلك لكان منى إليه غير ما رأيتم، ولكن رأيته -وأشار بيده- فأحببت أن أضع منه ما شمخ". وقال: "إياكم والفرقة بعدي فإن فعلتم فاعلموا أن معاوية بالشام".

 4- شهد لمعاوية حتى من اختلف معه من الصحابة فقال علي بن أبي طالب: " لا تكرهوا إمارة معاوية، فوالله لئن فقدتموه لترون رؤوساً تندر عن كواهلها كأنها الحنظل".

 5- شهد بعدل معاوية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: "ما رأيت أحداً بعد عثمان، أقضى بحق من صاحب هذا الباب، يعني معاوية".

 6- وقال عبد الله بن الزبير في معاوية بعد مدة من وفاته، في رواية رواها عنه هشام بن عروة فقال:" صلى بنا عبد الله بن الزبير يوماً من الأيام، فوجم بعد الصلاة ساعة، فقال الناس: لقد حدث نفسه، ثم التفت إلينا فقال: لا يبعدن ابن هند، إن كانت فيه لمخارج لا نجدها في أحد بعده أبداً، والله إن كنا لنفرقه، وما الليث على براثنه بأجرأ منه، فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه، وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، والله لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا الجبل حجر، وأشار إلى أبي قبيس، لا يتحول له عقل، ولا ينقص له قوة"، قال الراوي: "فقلنا أوحش والله الرجل".

 كما شهد لمعاوية كثير من التابعين ومن هذه الشهادات:

1- يروي الأعمش عن مجاهد أنه قال:" لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي". في إشارة إلى العدل الذي حرص عليه وانتشر في عهده.

 2- ذكر عبد الملك بن مروان يوماً معاوية فقال: "ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه". ويروى أن عبد الملك مرّ بقبر معاوية فوقف عليه فترحم، فقيل له: قبر من هذا؟! فقال: " قبر رجل كان والله فيما علمته ينطق عن علم، ويسكت عن حلم، إذا أعطى أغنى، وإذا حارب أفنى، ثم عجل له الدهر ما أخره لغيره ممن بعده، هذا قبر أبي عبد الرحمن معاوية".

 3- قال قبيصة بن جابر الذي صحب معاوية: "ما رأيت أحداً أعظم حلماً، ولا أكثر سؤدداً، ولا أبعد أناة، ولا ألين مخرجاً، ولا أرحب باعاً بالمعروف من معاوية".

 إن كثرة عدد الشهادات الإيجابية من الناس في شخص ما، تدلُّ على خيرية ذلك الشخص، والعكس صحيح، وهي مقدرة حتى عند الله تعالى، فكيف إذا جاءت هذه الشهادات الإيجابية من صحابة أو تابعين اشتهروا بالصدق والعلم؟! ومما يؤكد مكانة شهادة الناس في بعضهم البعض عند الله تعالى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري:" أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد".

معاوية بن أبي سفيان في ميزان أهل الإيمان (4-4)

شهد بفضل معاوية طائفة مميزة من العلماء والمؤرخين، ومن الشهادات التي سجلتها مصادرنا:

1- قال الإمام أحمد بن حنبل: "إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام، وسئل عن رجل تنقَّص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلا وله داخلة سوء".

2- شهد لمعاوية المؤرخ المشهور بدقته ابن خلدون، حيث يقول: " وأقام في سلطانه وخلافته عشرين سنة ينفق من بضاعة السياسة، التي لم يكن أحد من قومه أوفر فيها منه يداً من أهل الترشيح، من ولد فاطمة وبني هاشم وآل الزبير وأمثالهم، ويصانع رؤوس العرب، وقروم مضر، بالإغضاء والاحتمال والصبر على الأذى والمكروه، وكانت غايته في الحلم لا تدرك، وعصابته فيها لا تنزع"، ويشكك في الروايات التي تطعن فيه فيقول:" فكثيراً ما يوجد في كلام المؤرخين أخبار فيها مطاعن وشبه في حقهم أكثرها من أهل الأهواء، فلا ينبغي أن تُسوَّد بها الصحف"، وقد شكك مثلاً في الرواية التي تتهم معاوية بقتل الحسن بن علي فقال:" وما ينقل من أن معاوية دس إليهم السم مع زوجه جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك". ويؤكد ابن خلدون على فضل معاوية واستحقاقه أن يُضَم إلى سابقيه من الخلفاء الراشدين، فيقول:"وقد كان ينبغي أن تُلحق دولة معاوية وأخباره بدول الخلفاء وأخبارهم، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة، ولا ينظر في ذلك إلى حديث: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، فإنه لم يصح، والحق أن معاوية في عداد الخلفاء"، ويقول مدافعاً عن معاوية:" وحاش الله أن يشبه معاوية بأحد ممن بعده، فهو من الخلفاء الراشدين... ولا يقال إن الملك أدون رتبة من الخلافة، فكيف يكون خليفة ملكاً، واعلم أن الملك الذي يخالف بل ينافي الخلافة هو الجبروتية... وأما الملك الذي هو الغلبة والقهر بالعصبية والشوكة فلا ينافي الخلافة ولا النبوة، فقد كان سليمان بن داود وأبوه صلوات الله عليهما نبيين وملكين، وكانا على غاية الاستقامة في دنياهما، وعلى طاعة ربهما عز وجل، ومعاوية لم يطلب الملك ولا أبهته للاستكثار من الدنيا، وإنما ساقه أمر العصبية بطبعها لمّا استولى المسلمون على الدول كلها، وكان هو خليفتهم، فدعاهم بما يدعو الملوك إليه قومهم عندما تستفحل العصبية، وتدعو لطبيعة الملك، وكذلك شأن الخلفاء أهل الدين من بعده إذا دعتهم ضرورة الملك إلى استفحال أحكامه ودواعيه، والقانون في ذلك عرض أفعالهم على الصحيح من الأخبار، لا بالواهي، فمن جرت أفعاله عليها فهو خليفة النبي في المسلمين ومن خرجت أفعاله عن ذلك فهو من ملوك الدنيا". وقد بلغت قناعة ابن خلدون بفضل معاوية وحسن سياسته إلى حد أنه دافع عن قراره بأخذ البيعة بالخلافة لابنه يزيد، إذ بين أنه ليس أول من فعل ذلك، فقد أخذ أبو بكر العهد من المسلمين بالبيعة لعمر بن الخطاب، ورأى بأنه محل ثقة رعيته، ومن حقهم عليه أن يختار لهم ما يعتقد أنه الأنفع لهم، يقول: "وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده، إذ وقع بعهد أبي بكر رضي الله عنه لعمر بمحضر من الصحابة وأجازوه، وأوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر". ويقول:" والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء، الذي شأنه أهم عند الشارع، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه".

3- يقول اليعقوبي: "وكان لمعاوية حلم ودهاء وجود بالمال".

4- يقول الذهبي في معاوية: " حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم وهو ثغر فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضي الناس بسخائه وحلمه"، ويقول: " فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه ورأيه، وكان محبباً إلى رعيته، عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم". وقال: " وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإما قد ولدوا في الشام على حبه، وتربى أولادهم على ذلك، وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة وعدد كثير من التابعين والفضلاء".

ذلكم هو معاوية بن أبي سفيان في ميزان أهل الإيمان، فرحمه الله رحمة واسعة، ورزق أمتنا قادة يهتدون بهديه، ويسلكون دربه، ليتحقق على أيديهم التحرير والتمكين.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

فلسطين أون لاين




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع