الصفوية والصوفية.. خصائص وأهداف مشتركة [1]

عدد القراء 2825

علي الكاش

alkahali2012@yahoo.com

 بعد أن نشرنا مقالنا السابق: (جدلية الوعظ الصوفي) وتحدثنا عن الارتباط الروحي بين الصفوية والصوفية، انبرى البعض معترضاً على هذه المقارنة، واعتبرها إجحافاً وظلماً بحق الصوفية ودورهم المشرف في التأريخ ونشر الإسلام! وقد استشفيت من ردود الفعل بأن منطلقها إما طائفي أو جراء جهل بالفكرين، أو عدم تفهمهما بشكل كاف. وبعض الردود كانت مثيرة حقاً، بحيث إن أحدهم نصحني بالاطلاع على ما كتبه الحلاج والجنيد البغدادي لمعرفة قوة إيمانهم! ويبدو أن هذا الفريق لم يطلع لا على سيرة الحجاج ولا على شعره الذي يساوي فيه نفسه الفانية بالذات الإلهية المقدسة! ولا أيضاً الجنيد كما سيلاحظ القراء في الأجزاء القادمة. ولا أعرف كيف كان للمتصوفة دوراً مشرفاً في نشر الإسلام؟ وهذا ما سنسلط عليه الضوء في المحاور القادمة.

 وغرضنا الوصول إلى الحقيقة مهما كانت درجة الاختلاف بيننا.

 لم يكن مقالنا سوى جزء مقتضب من دراسة طويلة حول العلاقة بين الصوفية والصفوية، فكرنا أن ننشرها في حلقات كما وعدنا القراء الأفاضل. وكان من الأجدى بمن يعارض رأينا أن يصبر قليلاً حتى يقرأ المبحث كاملاً وسيكون بعدها لكل حدث حديثاً.

 ولغرض الأمانة العلمية ومنع التشكيك والارتياب فقد استندنا على أمهات كتب الصوفية، مثل طبقات الصوفية وقوت القلوب واليواقيت والجواهر والفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية وعوارف المعارف وفصوص الحكم وديوان الحلاج ولطائف المنن ورسائل أقطاب الصوفية وغيرها. كما اعتمدنا بشكل أساسي على أمهات كتب الصفوية كالكافي للكليني وبحار الأنوار للمجلسي والغيبة للطوسي وتفاسير القمي والصافي والعياشي وغيرها. واستعنا بقلة من المصادر الأخرى.

 يذكر د. زكي مبارك بأن "أهل فارس هم أكثر الناس تصوفاً بين الأمم الإسلامية، وهم أيضاً أشد الشعوب الإسلامية تشيعاً". [كتاب الشيخ البدوي/ د.سعيد عبد الفتاح عاشور]. متفقاً بالرأي مع المستشرق الانكليزي أدورد براون في كتابه (التأريخ الأدبي لبلاد فارس) بأن "التشيع والتصوف هما السلاحان اللذان استخدمهما الفرس في حربهم ضد العرب".

 ومن الجدير بالملاحظة أن معظم مؤسسي التصوف هم من الفرس. وهذا ليس عيباً إذا جهدوا واجتهدوا في سبيل الإسلام وخدمته. فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بإيمانه وتقواه. لكن سنجد في متصوفة الفرس رؤية معاكسة.

 من صوفية الفرس معروف الكرخي، شقيق البلخي، السهروردي، إبراهيم بن أدهم، أبو منصور الحلاج، أبو يزيد البسطامي، وصفي الدين إسحاق الأردبيلي وعبد القادر الكيلاني، جلال الدين الرومي. ويمكن القول بأنه لم يكن في القرنين الثالث والرابع متصوفاً عربياً. ومعظمهم يرجع نسبه لآل البيت، فإبراهيم الدسوقي يرجع نسبه إلى البيت العلوي. ومحمد بن محمد بن محمد بن حسين يرجع نسبه إلى بني هاشم. والشيخ أحمد الرفاعي يرجع نسبه إلى الإمام موسى الكاظم، وصفي الدين الأردبيلي (الملقب بخليل العجم) يرجع نسبه إلى الإمام الحسين وهكذا.

 ويذكر د. كامل مصطفى الشيبي في كتابه: (تأريخ الطريقة الصوفية) بأنه "سبقت الدولة الصفوية حركات على أسس التصوف المسلح بزعامة علوية"، منها حركة الصفويين العلويين نعمة الله، وفضل الله الحروفي، ومحمد بن عبد الله المكنى (نوربخش) الذي زعم نفسه المهدي. وحركة الصفوي العلوي محمد بن فلاح الذي ثار في منطقة البطائح وادعى أيضاً بأنه المهدي، وقد جمع رسائله وخطبه في كتاب سماه: (كلام المهدي).

 ومن المعروف بأن أتباع (نوربخش) تميزوا بلبس السواد، وهم أول من لبس العمامة السوداء وصارت تقليداً لعلماء الإمامية فيما بعد. [للمزيد راجع: مجالس المؤمنين للسيد نور الله التستري].

 كما أن الشاه إسماعيل الصفوي كان بدوره متصوفاً وكتب أشعاراً يرددها أصحاب الطرق الصوفية ذات النزعة الصفوية المتشددة كالشبك والبكتاشية والقلزباشية. وقد ذكر إسماعيل عن نفسه "إن ولايتي الصوفية قد صدرت من ختم النبوة وكمال الولاية" [للمزيد راجع: تأريخ إسماعيل شاه].

 ويصف الشيبي حركة إسماعيل شاه بأنها كانت "شيعية الإطار، صوفية المذهب".

 سنقدم بعض من الخصائص المتشابهة بين الصوفية والصفوية:

 الولاية:

 يرى الصوفية بأن منصب الغوث أو القطب ليس من صنيعة الإنسان، بل هو منصب إلهي. ويقول بهذا الصدد ابن عربي "لقد منحني الله تعالى هذا المقام، هبة منه ولم أنله بعمل، وإنما هو اختصاص إلهي". [اليواقيت والجواهر ص:66].

 وترى الصفوية بأن الولاية منصب إلهي أيضاً، يذكر محمد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه أصل الشيعة وأصولها: "إن الإمامة منصب إلهي كالنبوة" ويضيف هادي الطهراني في كتابه (ودايع النبوة) بأن الإمامة ليست منصب إلهي فحسب بل هي "أجل من النبوة، وإن أعظم ما بعث الله تعالى نبيه من الدين هو أمر الإمامة". ومن المعروف أن أول من قال بالولاية وحصرها بآل البيت هو شيطان الطاق (يلقبه الصفويون مؤمن الطاق) وكذلك هشام بن الحكم [للمزيد راجع رجال الكشي].

 وتتفق الصفوية والصوفية بأن نكران الولاية والمشيخة والخروج عن الإمام والقطب يعد شركاً. ففي أمالي الصدوق "إن من أنكر الولاية لا تقبل منه صلاة ولا زكاة ولا حج ولا صوم". ويضيف المجلسي في البحار "ولو سجد الساجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه ذلك إلا بولاية أهل البيت". وفي أصول الكافي وتفسير القمي وتفسير العجاشي والبرهان وبحار الأنوار ومرآة الأنوار ورد بأن "الكفر هو نكران الولاية". وعند المتصوفة كذلك حيث ذكر ابن عربي "من لا شيخ له فإن شيخه الشيطان".

 التقليد:

 يؤمن الصفويون والصوفيون بضرورة وجود المرجع والشيخ، وأن يقلده الأتباع، وجعلوا منهم أوصياء على المسلمين يأمرون وينهون كيفما شاءوا. وأسبغوا عليهم جمهرة من الألقاب لم يحمل الرسول صلى الله عليه وسلم لقباً مثلها أو يوازيها، ففي الصفوية توجد مرتبة روح الله وآية الله وحجة الله، وعند الصوفية القطب والغوث ووضع سلم بالمراتب كالأستاذ والمريد في التصوف والمرجع والمقلد في الإمامية.

 والمريد والمقلد يمشون بتوجيهات عمياء، فإرادتهم مسلوبة لأن طاعة الشيخ هي طاعة الله وغضبه هو غضب الله. يقول السهروردي: "لا بد للمريد من شيخ مرشد إلى الحق يرشده، ويلقنه الذكر، ويلقي في روعه النور" [كتاب: عوارف المعارف للسهروردي].

 وكذلك الأمر عند الصفوية فقد ورد في كتاب الاعتقادات لابن بابويه القمي "أن الأئمة كالرسل، قولهم قول الله، وأمرهم أمر الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، ولا ينطقون إلا عن الله وعن وحيه". وفي بحار الأنوار جاء "أن طاعة الأئمة واجبة على الكائنات الجامدة من سماوات وأراضي وكواكب". ونسبوا للإمام الرضا (ع) قوله: "الناس عبيد لنا في الطاعة" [الكافي للكليني].

 وفي الوقت الذي يقلد فيه أتباع التصوف الشيخ الكيلاني في العراق، والسيد البدوي في مصر، فإن أتباع الصفوية يقلدون المراجع العليا كالسيستاني والخامنئي والحائري. وأصبح للقطب والمرجع قدسية كبيرة عند العوام، حيث تُلتمس منه البركة والمغفرة والرضا والشفاء والثواب.

 ولم تقتصر القدسية على الأحياء منهم فحسب بل الأموات أيضاً! فالأئمة والأقطاب لهم قدسية مفرطة عند أتباعهم. فزيارة قبر الأئمة تعتبر بركة ورحمة، حتى الله جل جلاله يزور قبورهم كما يدعي الصفويون. كذلك يشد الرحال مئات الألوف من الناس لزيارة ضريح السيد البدوي والشاذلي ملتمسين البركة منهم.

 ولم يقتصر الأمر على الطاعة فحسب، بل امتد إلى الشرك بالله من خلال القسم بالأئمة والشيوخ، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله «من كان حالفاً فليحلِف بالله أو ليصمت». فالصفويون يقسمون بفاطمة الزهراء والأئمة. ويذكر السيد محمد الشيرازي في كتابه: (العباس والعصمة الصغرى) عن مشاهداته في كربلاء شدة الخوف من القسم بالعباس "فبعضهم يهون عليه الحلف بالله سبحانه تعالى على الحلف بالعباس". وأتباع الصوفية يحلفون بالشيخ الكيلاني والسيد البدوي والمرسي أبو العباس والعدوي. يقول الكيلاني: "من استغاث بي في كربة كشفت عنه. ومن ناداني في شدة فرجت عنه، ومن توسل بي في حاجة قضيت له". [للمزيد راجع كتاب الطرق الصوفية وانتشار البدع/ د. أحمد عبد الكريم نجيب].

 عدم إكمال النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة السماوية والانتقاص منه:

 يدعي الصوفيون بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكمل الرسالة السماوية، لذلك فهو يأتيهم أو يزورهم في المنام ليبلغهم الأخبار والأذكار والأوراد، ويكمل رسالته. فابن عربي ذكر بأن كتابه المسمى: (فصوص الحكم) قد دلّه عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المنام وأمره بتبليغه للناس "فجردت القصد والنية لإبرازه كما خطه الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان".

 ويدعي الصفويون بأن الإمامة استمرار للنبوة [للمزيد راجع كتاب: عقائد الإمامية، للشيخ المظفر] ويزعمون بوجود كتب الجفر وقرآن فاطمة وغيرها. وقد ادعى الخميني بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ رسالته "من الواضح أن النبي لو كان قد بلغ بأمر الولاية طبقاً لما أمره الله وبذل المساعي في هذا الأمر لما نشبت في البلدان الإسلامية كل تلك الخلافات والمشاحنات والمعارك" [كشف الأسرار].

 وهذه الطروحات البليدة تنسف ما جاء في سورة المائدة: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)) [المائدة:3].

 وفي العقيدتين هناك روايات كثيرة تنتقص من النبي المصطفى.

 يدعي ابن سبعين "لقد كذب ابن أبي كبشة (يقصد النبي محمد) عندما قال لا نبي بعدي". ويذكر الصفويون بأنه "لما ولد النبي مكث أياماً بلا لبن، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه، فأنزل الله فيه لبناً فرضع منه أياما" وتكرر الحدث مع النبي صلى الله عليه وسلم نفسه" كان يؤتى بالحسين إلى النبي فيلقمه لسانه فيمصه فيجتزئ به، ولم يرضع من أنثى" [كتاب الكافي].

 الكهانة والسحر والتنجيم:

 روجت العقيدتين الكهانة والسحر والتنجيم بين أتباعهم، فهناك العديد من الرسائل والكتب تتضمن طلاسم سحرية وأرقام وألغاز لا يعقلها رشيد، وبعضها يتعلق بالتنجيم كقرعة الإمام الصادق وقرعة ابن عربي. وجفر الإمام علي وغيرها. من طلاسم الصوفية في أورادهم: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا لا آلا إلا آلاؤك يالله. كدكد كردد كرده كرده ده ده الله رب العزة. طهور بدعق محببة صورة محببة سقاطيم أحوق ق أدم حم هاء أمين". للمزيد راجع [الطرق الصوفية في مصر د. عامر النجار]. ويوصي الشاذلي أتباعه بحفظ طلسم (حزب البحر) وقراءته بعد العصر، مدعياً أنه يتضمن اسم الله الأعظم وهو " كهيعص كهيعص كهيعص انصرنا فإنك خير الناصرين. شاهت الوجوه شاهت الوجوه شاهت الوجوه. طس حمعسق مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان حم حم حم حم حم حم حم حم، وجاء النصر فعلينا لا ينصرون".

 ومن الطريف أن الصفوية تفسر البرزخين "علي وفاطمة بينهما برزخ لا يبغيان، أي: لا يبغي (علي) على (فاطمة) ولا تبغي فاطمة على علي. ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان أي: الحسن والحسين عليهم السلام" [بحار الأنوار للمجلسي]. ويردد الصوفيون الدعوة البرهتية "بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى على سيدنا برهتيه، تبتليه طارك، مزحل، برهشب، خوطر، قلينهود، برشا كطهير، بانموا شلخ، شماهير، شمها حيرحورب النو الأعلى عبطال، فلا إله إلا هو، رب العرش العظيم". [للمزيد راجع كتاب مجمع الأوراد الكبير/ للسيد محمد الحسن المرغيني].

 ومن أورادهم التي تضمنها كتاب: (الفيوضات الربانية والأوراد القادرية) هذا الطلسم العجيب "يا الله بصعع، والباب بهبوب هبوب أو النور السام بسهسوب سهسوب ذي الفر الشامخ مطهطوب هطوب يالله يالله كهوب كهوب كهوب بي".

 وعند الصفوية توجد آلاف الطلاسم السحرية. منها ما جاء ذكره في بحار الأنوار عن الإمام الصادق: "إذا كانت لك حاجة إلى اللّه، وضقت بها ذرعـًا، فـصلّ ركعتين، فإذا سلّمت كبّر اللّه ثلاثًا، وسبّح تسبيح فاطمة، ثـمّ اسـجـد وقـل مـائة مـرّة: يـا مـولاتـي فـاطـمـة أغـيـثـيـنـي. ثـمّ ضـع خدّك الأيمن على الأرض وقـل مـثـل ذلك ثـمّ عـد إلى السـجـود وقـل ذلك مائة مرّة وعشر مرّات، واذكر حاجتك، فإنّ اللّه يقضيها".

 وعن أبي جعفر (ع) قال: "من نفرت به دابة، يقول: يا عباد الله الصالحين! أمسكوا علي رحمكم الله، يا نارفي ع ح ويا ه ا ه ح. فإن البر موكل به ارع ح والبحر موكل به ه و م ح". وذكر ابن طاووس في كتاب المعادات حرزاً عجيباً ضد السهام نسبه الأفكاك إلى الإمام علي رضي الله عنه مشترطاً كتابته بالمِسك والزعفران على جلد غزال وهو "آهيا أدوناي. سوماه بع مالح. هملو حيم ساهويرا. أديالو أساماي ألوهي. الشهيا سر عارام أوراب. صفواث صوصو بواره لا". فإن كان للإمام علي هكذا حرز فلماذا لم يحميه من قاتله ابن ملجم؟

 وفي كتاب: (ضياء الصالحين) يوجد حرزان مهمان تكتبهما وتشدهما على ساقك فلا تعجز عن المشي "يا اينكج يا كينكج يا نينكج" أو الآخر: "يا طيعوا علجح الذي يعفوا عن المدبري" وهما يفيدان في مراسيم عاشوراء بالمشي على الأقدام مئات الكيلومترات لزيارة الأئمة، ربما يفيد في ما يسمى (ركضة طويريج).

 أستحلفكم بالله.. أليس قراءة القرآن الكريم أفضل من قراءة هذه الهرطقات؟

أليس الغرض منها كما يبدو للعقلاء إبعاد المسلم عن تلاوة الذكر الحكيم والأحاديث النبوية الشريفة، وإقحامه في متاهات وترهات وهرطقات لا يفقه منها شيئاً لأنها أصلا لاشيء؟

 للحديث بقية بعون الله ورضاه..

المصدر : موقع البرهان




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع