إيران : تحرير القدس يمر عبر تدمير العرب

عدد القراء 421

2017-12-23

د. نبيل العتوم

 

بعد ثمانية  وثلاثين عاماً من “الثورة الإسلامية” الإيرانية، ماذا قدمت  طهران للقضية الفلسطينية وتحرير القدس، عشنا في إيران، وسمعنا الشعارات والخطب الجوفاء والشعارات الرنانة، وتبادل مُحكم بين قادة إيران  ونخبها السياسية والعسكرية ببراعة فائقة  أدوار الصراخ والعويل من أجل فلسطين، والادعاء بأنها القضية  المركزية للثورة الإسلامية ، وهي من ثوابت سياستها الخارجية.

الأمر المؤكد أن القضية الفلسطينية تندرج ضمن بؤر اهتمام الدولة والثورة الإيرانية، لكن ليس من زاوية الدفاع الحقيقي عن القدس والشعب الفلسطيني، أو السعي لحل قضيته العادلة وتحرير بيت المقدس الذي لا تعترف بوجوده أصلاً، ولكن من باب توظيفها سياسياً وإستراتيجياً وفكرياً ضمن ”العدة والكرستا”  الخاصة بمكياج  النظام الإيراني وتلميعه، والادعاء الكاذب بأن طهران تقود ما يعرف بـ”محور الممانعة” وغير ذلك من المزاعم الواهية، في حين أن الحقيقة واضحة كالشمس؛ فهي فعلاً تقود محاور المقاومة، لكن لم تتحمل يوماً عبء مواجهة إسرائيل بشكل مباشر؛ لكن لماذا؟

قد يجادل بعض الغارقين بأحلامهم بالقول إن الملالي يقدمون الأموال  والسلاح  لمحور الممانعة،  والمفارقة  التي لا يدركونها أن ما تدفعه إيران في هذا الإطار هو “تكلفة ذات عائد مجد ومربح”  لتوظيف التنظيمات والحركات دفاعاً عن مجالها الحيوي وأمنها القومي، من خلال ما اصطلحت إيران على توصيفه بشبكة الأمان، وبموازاة ذلك الترويج لدعاية سياسية تصب لمصلحة النظام الإيراني من قبيل دعم المستضعفين، والحركات التحريرية، وهزيمة  المستكبيرين.

أثبتت الأحداث في منطقتنا أن إيران وظفت ساحة الأزمات العربية للاتجار بها، وباتت  تتصدر عن  جدارة أهم تجار الحروب وسماسرة الصراعات بلا منازع، الذين لعبوا أدوارا مخيفة في تدمير العديد من دول المنطقة، وفي مقدمتها سوريا، والعراق، واليمن، ولبنان…، لإعادة هندسة المنطقة وفق مؤشر طائفي مذهبي مدمر، ووفق أسس مصالحية جديدة تناسب أهداف القوى الإقليمية والكبرى من دون مراعاة مصالح الشعوب العربية التي باتت أحد الأهداف لطحنها وسحقها، وبشكل بات لإيران الفضل الأكبر لتكون القضية الفلسطينية في ذيل القائمة بلا منازع.

 

يُدرك الإنسان العادي البسيط أن القواسم المشتركة بين إيران وإسرائيل كثيرة، وأن شعارات الموت لإسرائيل ليست سوى ”بروبغندا“ لتجارة سياسية قذرة تصب في مصلحة إيران وإسرائيل معا؛ فالثورة الإيرانية منذ انتصارها ولغاية اليوم تتاجر بهذه الشعارات الرنانة لكسب تعاطف وود الشعوب العربية والإسلامية المغلوبة على أمرها، وهذا الأمر يخدم إسرائيل أيضا، التي لا تُريد غطاء عربيًا للقضية الفلسطينية، أو على الأقل تريد خلافاً طاحناً على أحقية رعاية القضية بين العرب وإيران وتركيا بعد نجاح إيران تنصيب نفسها زعيمة لمحور الممانعة والمماتعة، وتل أبيب أيضاً هي الأكثر توظيفاً لهذه الادعاءات الإيرانية الفارغة المضمون، حيث توظفها في الترويج لفكرة المؤامرة والخطر الداهم الذي يتهددها، وتحصيل ما أمكن  وبارك المساعدات المالية الضخمة، وعلى أحدث الترسانات العسكرية، وكان أخرها أحدث طائرة قتالية في العالم إف 35، بحجة مواجهة الخطر الإيراني .

أما كروت إيران التي تشكل أدوات وأوراق تفاوضية مثل “حزب الله بفروعه” وحركة “الحشد الشعبي ”… وغيرها، وفي كل مكان يُذكر فيه اسم إيران عالياً، فهي أوراق طهران “المكينة” لابتزاز العرب والغرب معاً، للحصول على مكاسب إقليمية والمساومة خدمة لمشروعها التوسعي، فمن دون نفوذ قوي في دول ومناطق حيوية مثل لبنان واليمن وسوريا وغيرها لم تكن إيران لتستطيع أن تنتزع الاعتراف بمكانتها الإقليمية وزعامتها ودورها وبرنامجها النووي..

هل يتصور أحد أن إيران يمكن أن تكون حليفاً موثوقاً للعرب، حتى على مستوى الانخراط المباشر لمواجهة إسرائيل؟ وهل يعتقد أحد أن مشروع إيران الصاروخي والنووي والمنوي والفضائي موجه ضد إسرائيل بالدرجة الأولى، ونحن نستذكر سياسة الاستعراض  و”العرط السياسي” التي قام بها الجيش الإيراني الذي أبدى الاستعداد لتوجيه صواريخه لدك الرياض والخليج  بعد أن قامت إيران بالكشف عن منشأة عماد الصاروخية، وهي أكبر مخزن صاروخي في تاريخ إيران الذي لم تعلن عن وجوده أصلاً في ذروة  الأزمات مع  إسرائيل،  وقت الاعتداء على غزه و لبنان.

المؤكد أن القدرات العسكرية الإيرانية هدفها تخويف الدول العربية وردعها، فإيران التي صدعت رؤؤسنا بانجازاتها الصاروخية لم تُطلق يوماً ما طلقة واحدة ضد إسرائيل، أما فيلق قدسها المشئوم فهو الذي أعمل قتلاً وذبحاً لأهلنا في سوريا والعراق ولبنان..

 

أما حروب النجم الإعلامي البارع (حسن نصرالله) ضد إسرائيل فهي حروب وكالة للدفاع عن الولي الفقيه، التي ولدت ثأراً شعبيًا ”عربياً وإسلامياً” مع مرتزقة حزب الله اللذين باتوا أحد أدوات إيران الفتاكة للانتقام من الخصوم والمنافسين والشعوب والحركات التحريرية، وذبح العرب ”السنة”.

هذا العام كان احتفال الولي الفقيه بـ”يوم القدس”، ملفتاً، حيث جابت مسيرات شوارع طهران، ردد الإيرانيون خلالها هتافات ضد المملكة العربية السعودية، وداعش، والتكفيرين عوضاً عن أميركا وإسرائيل، وفي هذا العام احتفلت إيران بإطلاق صواريخها البالستية ”ذو الفقار” على دير الزور في سوريا، وفي هذا العام أطلقت مليشيا أنصار الله الحوثية وبرعاية رسمية إيرانية 84 صاروخ على السعودية من ضمنها ثلاثة صواريخ مستهدفة مكة المكرمة، وفي هذا العام  سجل اختراق إيران للأمن القومي العربي أسوأ حالاته، حيث تمكنت أجهزة الأمن العربية من ضبط 11 خلية نائمة إيرانية من ضمنها خلية العبدلي في الكويت القادرة على نسف أمن الكويت وسلمه الأهلي، والتي توعد فيها (علي لاريجاني) بقدرة إيران على قلب نظام  الحكم في الكويت خلال ساعات، والمخفي أعظم، وهذا العام ستحتفل إيران بضم 31 مليشيا متعددة الجنسيات -إلا من الإيراني - لإنعاش محور المقازمة الإسلامية  العالمية.

وهذا العام كذلك “تعززت الشعارات، وتنوعت بما لذّ، وطاب “بعد أنَّ  كان الطريق إلى القدس تمرّ ببغداد”، ومع مرور الأشهر، وتصاعد وتيرة الحريق الإقليمي تكاثرت الطرق الإيرانية التي تصل إيران إلى “القدس”، من بغداد وبيروت ودمشق وحلب ودير الزور والمنامة وصنعاء والكويت، بانتظار أن تدخل البورصة أسماء جديدة… والحبل على الجرار.

وبالأمس أشار قائد فيلق محمد رسول الله التابع للحرس الثوري الإسلامي إلى الوضع اليمني، وما شهده من تحولات في الأيام الأخيرة مبشراً بأننا سوف نسمع أخبار سارة سوف تدمر المؤامرات وتحبطها، وتصبح الطريق سالكاً بشكل أكبر لتفرغ إيران لتحرير القدس.

بموازاة ذلك وللمفارقة كشفت السلطات الإيرانية هذا العام عن لوحة كبيرة للعد العكسي في ساحة فلسطين وسط طهران تعرض عدد “الأيام المتبقية لتدمير إسرائيل” وزوالها، لكن لم يبلغونا من أي طريق ومعبر هذه المرة.

وهذا العام وللمفارقة أيضاً انطلقت سمفونيّة موحّدة من حناجر الولي الفقيه وزمرته، ومخالبه ومرتزقته الإقليميين في لبنان (حسن نصرالله) والعراق (نوري المالكي) واليمن (الحوثي) في وقت واحد محذرة بالويل والثبور عن ”بزوغ نجم حركات إرهابية جديدة“، ستنقض على دول المنطقة  وشعوبها، وأوصونا بعض النواجذ على إيران وحمايتها حتى تتمكن من الدفاع عن المنطقة  وأمنها واستقرارها!

لا شك بأن هذه المعزوفة من التهديدات، وغيرها تُشكل لحظة حاسمة في نبرة التهديدات الإيرانية، ليس لغرض؛ إلا لتدمير المنطقة واستنزافها تحت شعار كاذب عنوانه العبور إلى القدس وتحريرها.

 

 

المصدر: الراصد




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع